الرئيسية | أدب وفن | ألف وجه لألف عام – «الأرض» لإميل زولا: حين كتب صاحب «المال» أدباً رجعياً
إميل زولا

ألف وجه لألف عام – «الأرض» لإميل زولا: حين كتب صاحب «المال» أدباً رجعياً

تعتبر رواية «الأرض» لإميل زولا واحدة من أكثر رواياته عنفاً وامتلاء بالمشاهد التي كانت تعتبر، في ذلك الحين، إباحية. غير أن الهجوم المتنوع والمتعدد الأطراف الذي شُنَّ عليها حين صدورها للمرة الأولى عام 1887، لم يتناول، في فرنسا، على الأقل، هذين البعدين فيها، حتى وان كانت الترجمة الانكليزية سببت، في أميركا، مشاكل أخلاقية لناشرها. ما أخذه الفرنسيون على رواية «الأرض» حين ظهورها إنما كان رجعية أفكارها، وهو أمر، إن كان لا يظهر بوضوح بالنسبة الى قارئ اليوم، فإنه في ذلك الحين كان فاقعاً. ذلك ان جوهر ما تقوله هذه الرواية أتى ليتناول، من ناحية القانون المدني الذي كان ظهر في أشكاله الأولى إبان الثورة الفرنسية، ثم غاب وعاد وغاب وعاد مرات ومرات ليصبح محط سجال عميق يدور، من ناحية حول تقسيم التراث الفرنسي (الأرض) في شكل تتفتت معه الملكيات الكبيرة، ومن ناحية ثانية تلك القوانين المدنية الجديدة التي كان من جرّاتها تفتت العائلة نفسها واختفاء البر بالوالدين، على مذبح الأنانيات الفردية والصراعات التي تنشأ بين الاخوة. أما من الناحية الأدبية، فإن رواية «الأرض» تحمل الرقم 15 بين سلسلة روايات إميل زولا المسماة «آل روغون – ماكار»، حتى من دون أن تكون للرواية علاقة حقيقية بالسلسلة، إلا من خلال شخصية جان ماكار، ابن العائلة الجنوبية الذي جعل له اميل زولا مكاناً في ثلاث من روايات هذه السلسلة وجعله هذه المرة يصل ليعيش في بلدة زراعية في الشمال الفرنسي، هو المتجول دائماً لا يهدأ له مستقر. والحقيقة أن هذه العلاقة بين جان ماكار وأحداث هذه الرواية تبدو مفتعلة. إذ كان يمكن أي شخصية أخرى أن تلعب «الدور»، من دون أن تكون آتية من الجنوب الفرنسي ومتحدرة من آل روغون ماكار. غير أن المهم في الرواية ليس، هنا، طبعاً، خصوصاً أن جان ماكار، على رغم مكانه المتقدم في هذه الرواية، ليس في الحقيقة سوى واحد من بين عشرين شخصية رئيسة فيها، ومن بين مئة شخصية تجول وتدور على مدى صفحات الرواية. وفي خضم هذا كله، من الواضح أن كل هذه الشخصيات وكل هذا السياق الروائي وكل تلك العلاقات إنما هي هنا، كي يقول من خلالها اميل زولا تصوره للوضع الاجتماعي ورأيه في القوانين التي كانت تعتبر نفسها تقدمية. ومن هنا تعامل كثر من النقاد والمؤرخين مع «الأرض» على انها بيان اجتماعي الى حد كبير.

> تدور أحداث «الأرض» خلال السنوات الأخيرة للعهد المسمى «الامبراطورية الثانية»، وهي سنوات أتت سابقة في شكل مباشر على الحرب الفرنسية – البروسية. ومنذ أول الرواية لدينا شخصية جان ماكار، الذي كان القارئ قد تعرف اليه سابقاً، كما قلنا، في نصوص أخرى لزولا، ولا سيما في القصة الأولى في المجموعة «ثورة آل روغون – ماكار»، كما سيقابله أخيراً في رواية «الهزيمة» آخر روايات المجموعة. وجان ماكار في بداية «الأرض» هو عامل زراعي حاذق ونشط يصل من الجنوب الفرنسي الى الشمال، حيث يجد عملاً ويستقر في بلدة روني، الواقعة في منطقة «لابوس». وهناك يجد عملاً يحقق له نوعاً من الاستقرار، كما يشرع في علاقة حب مع فتاة قروية تدعى فرنسواز، تعيش حالياً في بيت اختها ليز المتزوجة من أحد شبان القرية (بوتو) وهو عامل في الزراعة لا يجد مانعاً بين الحين والآخر من مغازلة فرنسواز شقيقة زوجته. وهنا، إذ نتعرف إلى هذه الشخصيات، سنعرف أن بوتو هو واحد من أبناء ثلاثة لملاّك الأرض العجوز فوان، الذي تهرباً من القانون المدني الجديد وحيثياته، يقرر وهو بعد حي، أن يوزع أرضه بين هؤلاء الأبناء: بوتو من ناحية، وفاني ديلوم (الطيبة المتزوجة من مزارع طيب بدوره هو ديلوم)، وجاسنت، الملقب بـ «يسوع» وهو يمضي وقته في التجول ووعظ الناس. ولسوف نعرف هنا أن الأبناء الثلاثة قبلوا أن ينالوا حصصهم من الأرض، في مقابل أن يدفع كل منهم للوالد والوالدة، مبلغاً شهرياً من المال يساعدهما على العيش. غير أن الذي يحدث هو أنه منذ اللحظة التي يوقّع فيها بوتو العقد، يبدأ برفض دفع أي مبلغ للوالد، مع انه، هو، يعيش مع زوجته ليز في شقة تملك هذه الأخيرة نصفها إذ انها وأختها تقاسمتا الشقة لدى موت والدهما.

> هنا، عند هذا المستوى من الحكاية، تتحول الأحداث لتصبح شبيهة الى حد ما بحكاية «الملك لير» في مسرحية شكسبير الشهيرة، مع فارق أساس هو أن زولا، سخّر هذا الموقف، فقط من أجل إظهار لاإنسانية القانون المدني الجديد – القديم، الذي يجبر الأب بعد أن يكون صاحب أرض وكرامة، على أن يتخلى عن أرضه، وبالتالي عن كرامته، وهو بعد حي، لأبنائه، كيلا يموت فجأة فتدخل الحكومة – بحسب قوانينها – شريكة في الأرض. غير أن هذا ليس كل ما هو سيء في هذه الرواية. إذ ثمة أيضاً الطمع وصراع الأخوة حول الأرض والأملاك. إذ ذات لحظة تموت زوجة العجوز فوان، والد بوتو وفاني وجاسنت، ولا يعود من الممكن لفوان أن يظل وحده في بيت الأسرة، لذا يبيع البيت وقد قرر ان يسكن مع فاني، غير أن هذه، على رغم طيبتها، لا تتمكن من تحمل عيشه معها، فلا يكون منه إلا ان يذهب ليعيش مع جاسنت، الذي يقيم مع ابنته. غير ان فوان لا يلبث طويلاً هناك، إذ سيتضح له سوء أخلاق ابنه هذا ما إن يثمُل كل مساء ويصبح عنيفاً استفزازياً. وهكذا يقرر فوان هذه المرة ان يعيش مع ابنه بوتو وليز. وفي تلك الأثناء، يكون جان ماكار قد تزوج من فرنسواز التي لم تعد قادرة على العيش تحت سقف واحد مع صهرها بوتو، الذي صار غزله لها فاضحاً. وإذ تتنبه ليز الى هذا كله تشتد غيرتها من فرنسواز الحامل الآن من زوجها جان، وتطلب منها ان تغادر المنزل وزوجها، بيد أن فرنسواز تطالب مقابل الرحيل بحصتها من ثمن البيت، إذ من دون هذه الحصة لا يمكنها ان تجد وزوجها جان مأوى. وينتج من هذا الموقف استفراد بوتو وليز لفرنسواز فيما تكون وحدها في الحقل، فتقبض عليها ليز ويغتصبها بوتو، ثم يضربانها معاً الى درجة انهما يقتلان الجنين في بطنها ويصيبانها بجراح بليغة. وهي حين يُعثر عليها على شفا الموت، تدعي – حفاظاً على اسم العائلة – انها أصيبت في حادث ولا تخبر أحداً بما عمل ليز وبوتو بها… ثم تموت إثر ذلك.

> والآن، بعد التخلص من فرنسواز، ها هما ليز وبوتو في بيتهما يخططان للتخلص من فوان الذي أضحى عبئاً حقيقياً عليهما. وهكذا، ذات ليلة، حين يكون فوان نائماً، يتسلل بوتو وليز الى غرفته ويحاولان خنقه، وإذ يكتشفان بعد محاولات عدة انه لا يزال يتنفس، لا يكون امامهما إلا أن يحرقا البيت به، مرتبين الأوضاع بحيث يبدو الأمر نتيجة حادث. ومن جديد ينجوان بفعلتهما، إذ يصدق أهل البلدة حكايتهما. ولاحقاً، إذ يطالب جان بحقه من ثمن البيت، باعتباره زوج الراحلة فرنسواز ووريثها الشرعي بالتالي، يرفض الزوجان الشريران ذلك بعناد وقوة. أما جان، فإنه غريب ولا يملك أي دعم في بلدة ظلت تعتبره غريباً، وهكذا يحمل شكوكه ورعبه أمام خلو هذين الشريرين من أي عاطفة واستيلاء الطمع عليهما، ويستأنف تجواله، ماراً لدى مغادرته بقبري فرنسواز وفوان، كما يمر بالحقول التي تنتظر الحصاد.

من الواضح هنا أن الجو الميلودرامي يسيطر على هذه الرواية من أولها الى آخرها. وهذا ما أمّن لها شعبية كبيرة. أما من الناحية الثانية، فإنها كما أشرنا اعتبرت رواية رجعية همها الوحيد أن تعبر عن خطل القوانين المدنية ولا إنسانيتها. بيد أن هذه النزعة الرجعية لم تكن، دائماً، طاغية على أدب إميل زولا (1840-1902)، وحسبنا للتيقن من هذا أن نقرأ أعمالاً كثيرة له، سبقت «الأرض» أو تلتها، من «أسرار مرسيليا» و «تيريز راكان» الى «العمل» و «المال» و «نانا» و «الوحش البشري»… وكلها من الأعمال الأدبية التي ساهمت في سمعة الكاتب، كما في تميز هذا النوع من الأدب الاجتماعي الفرنسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*