الرئيسية | أدب وفن | أنوثة مع وقف التنفيذ| هشام فنكاشي
الأنثى

أنوثة مع وقف التنفيذ| هشام فنكاشي

هشام فنكاشي:

 

وتمر السنين، لم أتعلم فيها كيف تضع النساء أحمر الشفاه… لم أتعلم كيف أمشي بغنج الفتاة ودلالها، لم أعرف كيف أغسل ضفائري بمياه المطر… كيف أغني وأرقص في حضرة القمر…

دائما أبدو هادئة ، أوزع الابتسامات٬ و في نفسي عاصفة تصرخ :

أنا لست أخت أحد٬ فكناش حالتي المدنية٬ تجاوز الألف أخ.

استطعت قمع جسدي …لكني لم أستطع قمع صوت أمومة يدوي بداخلي، يمزقني إلى أشلاء …كرهت نفس الدعوات، ونظرات الشفقة، فالشفقة إحساس إقصائي. لأن الحياة مسرحية٬ كل شخص يرى نفسه البطل٬ و لا أحد يرضى بدور المتفرج.

كم تشتاق أذناي لسماع كلمة غزل… أو حتى نظرة ذكورية… تربك دقات قلبي التي سئمت الرقص٬ على أنغام ساعتنا القديمة.

كم أحتاج لزلزال يدمر قلاع الاحترام الأخوي التي خنقت أنفاسي.

علمت أن شبان قريتنا ينتقدون بشدة تبرج فتيات القرية وتزينهن.فأفرجت عن شعري٬ الذي اختلط ليله بنهاره٬ من سجنه القديم. و سمحت لمساحيقي المنتهية مدة صلاحيتها بزيارة وجهي٬لإخفاء توقيع السنين عليه.لعلي أحصل على وجبة دسمة من الإهتمام… أروي بها ظمأ وردتي القابعة٬ في ركن عميق من فؤادي.

فأدركت حينها٬ لماذا يتسلل أطفال قريتنا خلسة إلى ضيعتنا. متسترين بستائر الليل السوداء٬ غير مكثرتين للزجاج المكسر٬ الذي وضعه أبي فوق حائط الضيعة. متحدين كلابنا الشرسة٬ ليرموا شجرة التفاح بحجرهم الغزير٬غير آبهين بشجرة الصنوبر العتيقة٬القابعة عند باب ضيعتنا.

عندما كنت بعمر أصابع اليد أخبرتني جدتي٬أن فارسي بدأ رحلته. و أن عليه أن يزور ثلاثة عشر ربيعا٬ ليقطف ثلاث عشرة وردة٬ قبل وصوله  إلي.وقالت لي أن دودة القز٬ تنسج لي ثوبا حريريا أبيضا.و أن  شجرة الحناء٬ بدأت تورق و تينع.و أن عصافير الحقل ستزفني إليه.وتطمئنني أن الولي الصالح” سيدي مبروك” سيمنحني ملحه المبارك٬ لأكون في البيت٬ كالملح في الطعام.

وتخاطب الموت متوسلة إليها٬ أن تتجاهلها و تتناساها٬ حتى تشهد لقائي بأميري.

وترحل جدتي… وتخبئ دودة القز نسيجها الحريري٬ في دهاليز النسيان.ويغلق الولي الصالح” سيدي مبروك” أبوابه. و تأبى شجرة الحناء٬ مصافحة يدين صافحتا أربعين خريفا …وبرحيلها رحلت عصافير حقلنا لرحلة اللاعودة. آخذة معها كل الأماني و الأحاسيس.

دائما أجلس القرفصاء أتساءل عن فارسي:

­ أتراه حط الرحال في القرية المجاورة؟

­ أم انه لم يستطع إكمال المشوار٬ لثقل باقة الورود التي تجاوزت الأربعين وردة.

وعندما تهاجمني التساؤلات …و يخنقني الأنين …أجدني جالسة عند عتبة الولي “سيدي مبروك “عله يفتح لي بابه..ماسكة منديل جدتي المزركش٬ أقبله و أشمه كلما شدني الحنين إلى عالمه المثير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*