الرئيسية | فكر ونقد | البعد الفيزيائي في نظرية العود الأبدي عند نيتشه
Friedrich-Nietzsche

البعد الفيزيائي في نظرية العود الأبدي عند نيتشه

هل الزمان يسير إلى ما لا نهاية أم أن الزمان سيعيد نفسه؟

نيتشههذا هو السؤال الجوهري الذي سيجيب عنه نيتشه، حيث سنعقد بدورنا مقارنة بين إجابته تلك ونظرية الانفجار العظيم في الفيزياء النظرية كما عرضها ستيف هوكنغ و التي تحاول تفسير أصل الكون ومصيره.

تثير فكرة العود الأبدي آراء ليست مألوفة إلا في الأساطير الهندية المقدسة القديمة حول الأبدية والخلود وعودة الزمن وإمكانية التقاء زمن الماضي مع زمن المستقبل في نقطة حاسمة هي الآن، وهذا يتحقق اذا كان الزمن يسير بشكل دائري وليس بصورة مستقيمة إلى الأمام يقول: (إن كل اتجاه على خط مستقيم إنما هو اتجاه مكذوب، فالحقيقة منحرفة لأن الزمان نفسه خط مستدير أوله وآخره) (1).

وتفترض فكرة العود الأبدي أن الكون والإنسان وكل الأشياء سيعاد خلقها من جديد بعد موتها وفنائها وهذه الدورة الحياتية ليست هي النهاية إذ ستعقبها دورات مشابهة لها والى الأبد، فكل دورة حياة تشبه التي سبقتها وكأنها نسخة عنها فالإنسان وكل الموجودات ستظهر على مسرح الحياة كما في السابق دون زيادة أو نقصان، وان الأحداث والظواهر وكل النشاطات التي جرت في الحياة، ستعود كلها مرة أخرى، مشابهة إلى الدورة السابقة، يقول نيتشه: (ما غريب عنا تعليمك يا زارا، فأنت تقول بأن جميع الأشياء تعود أبدا ونحن معها عائدون، وبأننا وجدنا من قبل مراراً لاعداد لها ومعنا جميع الأشياء أيضا) (2). هذا التعاقب الأبدي لدورات الحياة سيجعل اللقاء بين زمن الماضي وزمن المستقبل عند بوابة اسمها (الآن) حتمياً و لا مفر منه .

وليس غريبا أن يكون نيتشه قد هدف من هذه الفكرة تعويض الإنسان عن الخلود والأبدية ويجد فيهما الإنسان عزاء له من رعب العدم، بخلود من نوع آخر يتماشى مع العلم والموضوعية. (انظر إلى هذا الباب فإن له واجهتين وهنا ملتقى مسلكين لم يبلغ إنسان أقصاهما أحدهما منحدر يمتد إلى أبدية، والآخر مرتفع يمتد إلى أبدية أخرى المسلكان يتعارضان متقاطعين عند هذا الباب وقد كتب اسمه على رتاج واحد “الحين”) (3). المسلك المنحدر يقصد به الدرب الذي يتجه إلى الماضي أما المسلك المرتفع فهو الدرب الذي يمتد إلى المستقبل. لقد جعل نيتشه من (زرادشت) مبشرا بهذه الفكرة ليؤشر على أنها قديمة خرجت من الفكر الهندي القديم الذي كان مهتما بمراقبة الظواهر الكونية كحركة النجوم، وظاهرتي الكسوف والخسوف، والفيضانات والحرائق وأمور أخرى، إضافة إلى انشغاله بمسائل مصير الإنسان بعد موته فهذا الفكر يؤمن بأبدية الكون والإنسان وعدم فنائهم.

لقد كان هذا الفكر انعكاساً للمعتقدات والأساطير التي كانت شائعة بين قبائل وشعوب الهند وجنوب شرقي آسيا، فتدمير الكون وفنائه (حرائق، فيضانات، زلازل، براكين. الخ) لا يعني بمعتقداتهم النهاية الأزلية للكون بل إنه سيعاد خلقه من جديد وسيمر بنفس مراحل الدورة السابقة ولادة، ارتقاء، انحطاط، وفناء، وهكذا في كل دورة كونية بعد أخرى وإلى الأبد، لقد حددت الأساطير القديمة فترة زمنية لحياة كل دورة وهي ألف سنة (فكرة الألفية جاءت من الأساطير)، فبعد كل ألف سنة يحدث تجديد (إعادة خلق) للكون وبالعكس من فكرة (العود الأبدي) فإعادة خلقه بعد فنائه يكون في سنة يسميها نيتشه (السنة الكونية) وهي سنة مجهولة بعدد سنواتها لكل دورة كونية، ( يبدو أن هذه الفكرة قد مهدت لنظرية الانحسار العظيم عند ستيف هوكينغ في منتصف القرن العشرين حيث تقول هذه النظرية ذات الأساس العلمي أن الكون سينحسر على نفسه ثم ينبثق مرة أخرى بنفس الترتيب و الشكل مرات لا متناهية).

لجأ نيتشه إلى نظريات في علم الطبيعة ليثبت صحة فكرته وتثبت بالنظرية التي تقول أن القوى الموجودة في الكون ثابتة ومحدودة، و ربما لو قدر له العيش حتى القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين لشهد أدلة ذلك بأم عينه كيف أحالت الفيزياء فكرته تلك إلى نظرية علمية تكاد تقترب من اليقين النهائي، فناقش فكرته على ضوء ثلاث فرضيات، الأولى تؤكد أن إعادة الحياة وعودة الأشياء والموجودات والإنسان الشبيه من جديد، لا يتعارض مع روح هذه النظرية العلمية فإن أي زيادة أو نقصان لا يحصل في قوة الوجود (الثابتة)، أما الفرضية الثانية التي تقول أن قوى الوجود في حالة تزايد فان نيتشه يعارضها ويتساءل من أين جاءت هذه الزيادة وليس هناك من وجود غير هذا الوجود فيفترض وجود (معجزة) إلا أنه يرفض هذا الافتراض الذي سيخرجه من دائرة “البحث العلمي” إلى دائرة الأساطير والخوارق، (فلكي يكون هذا الفرض صحيحاً كان علينا أن نقول بوجود معجزة دائمة بها تحدث هذا الزيادة وهذا ما لا نستطيع مطلقاً التسليم به ما دمنا نبحث بحثاً علمياً. وإلا خرجنا من دائرة العلم الخالص إلى دائرة الأساطير والخوارق) (4).

أما الفرضية التي تقول (أن الكون في حالة تناقص) فالمفروض أن قوى الكون الآن قد نفذت، وذلك لأن الكون كان موجوداً عبر ما لا نهاية له من الزمن ففي هذه اللانهائية السابقة على اللحظة الحاضرة كانت القوى إذا كانت تتناقص تكون قد تبددت كلها (5) .

وهذا القول مخالف لقانون (مصونية الطاقة) النظرية العلمية التي تؤكد على أن مجموع القوى الموجودة في الكون رغم كونها متناهية هو ثابت ومحدد هي وحدها التي تلائم فكرة نيتشه في (عودة الأشياء والموجودات) فإن هذه العودة لا تشكل زيادة في قوة الوجود، لأنها هي نفسها قوى الوجود أو (جزء منها) والتي ستعاود الظهور على مسرح الحياة من جديد، ويعول نيتشه على الزمان اللامتناهي في لحظة من لحظاته على عودة تركيب وجود سبق وأن وجد من قبل، وهذا التركيب بدوره سيجر وراءه تراكيب أخرى مرتبطة به، وهذه التراكيب بدورها هي أيضا ستجر التراكيب التابعة لها وهكذا فإن مجموع الظواهر والأحداث ستكرر من جديد بنفس النظام والطريقة والمقدار الذي وجدت فيه في الدورة السابقة على هذه الدورة الثانية. (6).

يقول الدكتور عبدالرحمن بدوي معلقاً على فكرة العود الأبدي لينتشه بما يلي (فالإنسان منا إذاً، تبعا لهذا النظرية سيحيى من جديد نفس الحياة التي يحياها الآن. ولهذا يقول زرادشت: (سيأتي يوم فيه تعود من جديد سلسلة العلل التي أنا مشتبك فيها وستخلقني من جديد! وأنا نفسي سأكون من بين علل العود الأبدي) (7).

يختلف التأويل الوضعي لهذه النظرية عن الوجودي في أنه يعتبرها نتيجة لمقدمات علمية يقول الدكتور فؤاد زكريا (لنا أن نعد فكرة العود الأبدي من النتائج الرئيسية للمذهب الآلي، بل هي نتيجته الفلسفية الكبرى… فالعالم في رأى هذا المذهب آلة عمياء، من شأنها أن تمر بنفس الحالات مرات لا متناهية) (8). بينما تعتبر هذه النظرة بحسب التأويل الوجودي مقدمة تستهدف نتائج معينة تخدم بشكل مباشر وغير مباشر نظرة أخلاقية.

يعتبر التأويل الوضعي أن قول نيتشه بهذه النظرية كان محاولة للقضاء على اللا علمية في التفكير الأسطوري وكان نتيجة لأخذه بالمنهج العلمي الآلي الكلاسيكي الذى كان يعتمد مبدأ السببية العام ومبدأ إطراد الطبيعة وصولاً إلى الحتمية ورفض التفسيرات اللاهوتية لظواهر الكون.

حاول نيتشة كما رأينا تقديم دليل منطقي على تلك النظرية كالآتي: إن مجموع القوى الموجودة في الكون ثابت محدد، وذلك لأن المسألة لا تتعدى ثلاثة فروض: فإنما أن يكون هذا المجموع يزيد، وإما أن ينقص، وإما أن يكون ثابتاً، والفرض الأول غير صحيح، لأنه إن كان يتزايد فمن أين تجيئه هذه الزيادة؟ وليس الفرض الثاني بأقل تهافتاً وبطلاناً.. لأنه إذا كان.. يتناقص فلابد أن تكون قوى الكون كلها قد استنفذت وفني الكون.. لم يبق إذن.. إلا التسليم بأن مجموع القوى الكونية ثابت محدود.. ولما كان الزمان لا نهائياً.. فلابد أن تأتى لحظة من لحظاته… فيها يعود تركيب ما سبق وجوده من قبل (9).

الأساس الوحيد إذن لهذه الفكرة هو إكمال البناء الأخلاقي لما بعد العدمية، والذى لن يكتمل (بالمعنى الأخلاقي) إلا بنفي كل غائية وكل تناهٍ عن هذا العالم من جهة، ومن جهة أخرى بسيطرة الإنسان على الزمن (10) و هذه السيطرة للإنسان على الزمن ذات أهمية وجودية كبرى، لأن الكون لو كان غير متناه أو كان متناهياً فإن ذلك لن ينقذ الإنسان من اليأس والنكوص والارتكاس الخلقي، نظراً لإحساس الإنسان بأنه ضحية للزمن، ولكن العود الأبدي يتغلب على هذا الإحساس ويعيد للإنسان ثقته بنفسه وقدراته، فإنجازات البشرية البطولية لن تزول، بل سوف تعود مرة جديدة كل دورة جديدة بحذافيرها، عندئذ يصير الكون ملتئماً تماماً على الإنسان دون أية علل خارجية.

(هذا البحث أُلقي في قسم الدراسات العليا الفلسفية بجامعة تشرين – سوريا).

الهوامش :

1- نيتشه هكذا تكلم زرادشت، ترجمة فليكس فارس، مطبعة البصير، الاسكندرية، 1938 ، ص184 .

2- المصدر السابق، ص253 .

3- المصدر السابق، ص184.

4- عبد الرحمن بدوى: نيتشه، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ، د . ت ، ص 251 .

5- المرجع السابق،الصفحة نفسها .

6- المرجع السابق، الصفحة 252.

7- المرجع السابق، الصفحة 253.

8- فؤاد زكريا: نيتشه، دار المعارف، القاهرة، ط3، د . ت ، ص 141.

9- عبد الرحمن بدوى: نيتشه، ص 238، 239.

10- فؤاد زكريا: نيتشه، ص 144.

المصدر: الباحثون السوريون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*