الرئيسية | سرديات | العمل | شريف عبد المجيد
شريف عبد المجبد

العمل | شريف عبد المجيد

شريف عبد المجيد (مصر):

البشعة اللئيمة ماتت اليوم، يصرخ أهلها وأنا لا أصدق نفسي. ماتت. كيف لا أعرف؟ ماتت.. هكذا ببساطة.. ماذا يعنى ذلك؟ الموت يتدخل ضدي ويساعدها، موتها رحمة للجميع، موتها راحة للبشر موتها نهاية لظلمها، ولكن موتها لعنة ستظل تطاردني، لن يصدق أحد ما أعانيه وما سأعانيه بسبب موتها، لن أحضر العزاء، ولن أشارك في مظاهر الحزن التي سيقيمها الجيران،، سألبس أجمل الألوان، بل وسأرفع صوت التسجيل لآخره، سأعلن فرحى للجميع، ولكن كل ذلك لن يكفيني، ولن يشفى غليلي، لأنها ماتت، ماتت وتركتني دون أن أنتقم منها، ماتت ولم تشعر باللوعة والخوف والحزن الذي كنت أتمنى أن تعيش فيه، ماتت مرة واحدة وأنا أموت كل يوم، لا بل كل ساعة، بل كل دقيقة وكل ثانية.

سأحكى لكم الحكاية لتعرفوا ما فعلته لي وستشعرون بحزني وهمي وتدعون عليها معي في قبرها حتى لا ترى لحظة راحة ولا بارقة أمل أو غفران.

 

في البدء كان العداء

كنت أعرف منذ دخولنا المدرسة أنها تكرهني، ليس لأنها كانت تحصل دائما على مجموع أقل منى، وليس لأن دخل أبى أكبر من دخل والدها، وليس لأني أذكى، ولكن ربما لكل ذلك، وربما بدون سبب، كنت أشعر بصهد كرهها يجرح أنفاسي ويشوى قلبي، إنها مثال للحقد والكراهية، هل هي من شياطين الإنس؟ أعتقد ذلك بل وأكثر منه بكثير، ربما كانت شيطان على شكل إنسية؟

الحياة بدون عدو لا طعم لها

صدقوني أن الحياة بدون عدو لا طعم لها، إن طعم نجاحي لن يكون جميلا بلا عين الحسود، مرت السنون وخراط البنات الطيب زار جسدي وجعله مثالاً متوجًا للأنوثة، ماذا أفعل، وذلك ليس بيدي، ولكنها هي جارتي اللدود الكارهة، لم يكن خراط البنات مخلصًا معها، فلم تزرها الأنوثة إلا زيارة خاطفة، كانت بلا صدر ولا أرداف، مجرد امرأة عادية لا تستوقف بجمالها أحدًا، شيء عابر أو محطة خاطفة لا يستريح فيها إلا الغرباء، ولم تكن بيتا ولم تكن علامة فارقة.

وهذا من فعل القدر ولم يك أيضا بيدي شيء


الغريب يدخل العمارة

جاء الرجل الغريب وطرق الباب وطلب يدي، ومن هنا كانت محنتي، رفضه أبى، وجاء الرجل القريب، ولم يعجب أمي، وجاء الرجل الذي لا يعد غريبًا ولا قريبًا ورفضه أخي، عريس بعد عريس، ورجل بعد رجل، والرفض أو عدم اكتمال الزواج كان دائما نصيبي، بينما هي الدميمة التي لا تعد امرأة بمعيار الأنوثة ولا تعد امرأة بميزان التصرف الجيد والحكمة في تيسير أعمال البيت، تنجب الولد وبعده الولد وبعده الولد، ثم بعده البنت، والبنت، ثم الولد، وأنا أعانى عاما بعد عام، وشهرا بعد شهر، وأسبوعا بعد أسبوع، ويوما بعد يوم ودقيقة بعد دقيقة ولحظة بعد لحظة، ولا يتزوجني أحد، ويموت أبى وبعده أمي، وبعدهما أخي، أنا هنا في هذه الدنيا الطويلة العريضة وحيدة.

ذهبت للعرافة والدجالة والشيخ والكذاب والنصاب والذي يكشف العمل، حتى عرفت الحقيقة أن زوجها كان من نصيبي، ولكنها عملت لي عملا يمنعني من الزواج ويقربه منها.
أولادها كان من المفترض أن يكونوا أولادي، حضرت زواجهم ولحظات تخرجهم من المدارس، ثم الجامعات، ولكن ربك بالمرصاد، هاهي تموت بالمرض البطال الذي حار فيه الأطباء.

بحثت كل هذه السنوات عن العمل، بحثت في كل مكان في العمارة، ثم حرقت ملابس أبى الميت وحفرت قبر أمي وغسلت وجهي باللوف الذي غسلوا به أخي، ونبشت في المحال التي تحت العمارة، وفى الجراج، وفى العمارات المقابلة كل يوم، وهى تدعو على، كل يوم وهى تحفظه، كما سر الميلاد والموت كنت كل يوم أقوم برش المياه أمام بيتها، وزيادة في الحرص أصبحت أمسح أمام كل شقق العمارة حتى أحمى السكان من شر هذه السيدة الشريرة، ولكن للأسف لم أجد للعمل أثرا.


الحقيقة تظهر مهما مر عليها الزمن

الحقود والحسود مصيرهما النار، ولكن كيف لي أن أصل لحجرة نومها، كيف لي أن أصل لأسفل المخدة التي كانت تنام عليها.

كيف سأشرح لأولادها أنني يجب أن أحصل على تلك الشقة مهما حدث، ثم جاءتني الفكرة في لحظة تجلى، عرضت على أبنائها الذي كان كل واحد منهم يعيش في شقته، وقد ترك منزل العائلة أن أشترى منهم شقة أمهم بضعف الثمن، بشرط أن أشترى الشقة بكل ما فيها حفاظا على ذكرياتي مع جارتي العزيزة، الأغبياء لا يعرفون أنني أنا التي كنت سأصبح أمهم لولا «العمل». ذهبت لأهلي بقريتي البعيدة وبعت كل ما أملك.

أخيرا دخلت شقتها وقلبتها رأسا على عقب، ولم أجد «العمل»، إنها امرأة خائنة. أعتقد أنها ماتت، وقد ابتلعت العمل، يجب أن أحفر قبرها وأعرف هل أخفت العمل في معدتها أم في أي مكان آخر من جسدها.

الجنون لا ينهى الحكايات

هكذا كانت السيدة العجوز التي أكملت عامها الخامس والستين تمر كل يوم من أمام قبر جارتها تدعو عليها كما لو كانت تمثل الشيطان، كما لو كانت هي السبب في كل بلاء، إلا أن الشرطة قبل أن تسلمها لمستشفى الأمراض العقلية لم تعرف أبدًا سبب نبشها لقبر جارتها العجوز التي ماتت منذ شهر، خاصة وقد تم استبعاد كل الأسباب الجنائية للحادث، ولم يعرف أحد لماذا اشترت شقتها وحرقتها، أرجعت بعض الفضائيات التي سجلت حوارًا حول الحادث أن ذلك ربما للوفاء الشديد لجارتها وعدم قدرتها على تحمل الفراق، بينما فسر البعض الآخر ذلك لارتباطهما الشديد منذ الطفولة، وربما يكون هذا هو الذي جعلها غير مصدقة لموت جارتها.
وهكذا امتلأت المستشفى بزوار لا حد لهم لتلك السيدة الطيبة التي كانت تعامل أولاد جارتها بكل حب، واشترت شقتها بعد موتها، ولم تكتف بذلك، بل كانت تنبش قبر جارتها حتى تحتضنها، فقط لأنها لم تستوعب موت صديقتها الوحيدة، وتبارى كل سكان العمارة والعمارات المجاورة في شرح فضائل تلك السيدة الطيبة التي كانت تمسح كل يوم، ليس فقط شقتها، بل سلالم العمارة، بل والعمارات التي حول بيتها، وقد أرجع البعض ذلك لأنها سيدة طيبة ومؤمنة وتطبق مبدأ النظافة من الإيمان.

وعندما روى اللحاد ما رآه بأم عينه بأن هذه السيدة كانت تكره جارتها بل وكانت شبه مخبولة وتعتقد أن جارتها قد عملت لها عملا يمنعها من الزواج، بل وتظن أنها قد خطفت زوجها، لم يصدقه أحد، واعتبروه رجلا اشتراه البعض بالمال، ويحاول أن يصبح مشهورا على حساب سمعة تلك السيدة القديسة.

لم تنتهِ الحكاية عند هذا الحد، وكما تتوقعون، خرج الأمر عن السيطرة، وأصبح بيت هذه السيدة القديسة مزارًا يقصده بالذات السيدات العوانس، والذين يرغبون بالزواج، أو اللاتي تأخرن في الإنجاب، وأصبح لها مولد شهير بالمنطقة التي تسكن فيها، أما لو أردت أن تعرف كيف ماتت فلن تصدق أبدًا، فقد هربت من المستشفى، ولم يعثر لها على أثر حتى هذه اللحظة، هكذا وبهذه البساطة، فقط هربت، بينما يؤكد بعض مريديها أنها طارت من المستشفى ولم يستطع أي من الحراس أن يمسكوا بها قبل أن تحلق في السماء وتختفي للأبد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*