الرئيسية | سرديات | القصة القصيرة العربية المعاصرة: تجارب ضد التأويل | عمر العسري
عمر العسري

القصة القصيرة العربية المعاصرة: تجارب ضد التأويل | عمر العسري

د. عمر العسري ( باحث و ناقد من المغرب):

 

« يتفق كتاب القصة القصيرة على أنّ القصة القصيرة

تركز على الاستثنائي بدلا من العادي»

تشارلز ماي

لا يُخفي هذا التأطير محدوديته، التي ترتبط بالرهان الموجه إليه في تأسيس قاعدة قرائية تسمح بمقاربة حدود المهيمن والخافت، الذي به تتحدد بنية القصة العربية المعاصرة. وتبعا لهذا، لم يكن ممكنا التعامل مع القصة الجديدة إلا بمفهوم الكتابة، الذي اخترق عدة مفاهيم، لأنه يرفض مفهوم الجيل والحساسية…. وإنّ اشتراك كتاب القصة في الانتماء إلى زمن واحد، أو تقارب منطلقاتهم الفنية، هو ما يحمي كل تصور حول هذا المتن من الهشاشة المنهجية والرؤيوية.

زمنيا، مرّ على تاريخ القصة العربية، بمعناها الحديث، ما يربو على السبعة عقود تقريبا، وهي فترة مهمة رافقتها طفرة مثيرة ظهرت فيها العديد من الأعمال وكتاب القصة الذين وسموا هذا الفن الصعب بميسم خاص، كان له امتداد عند بعض القصاصين المؤسسين والمؤصلين دون غيرهم. ثم تحوّل هذا الاهتمام في ما بعد إلى تجارب أخرى لا تقل أهمية عند المجددين والمحدثين، وبقيت القصة العربية دينامية تروم في كل تجربة وحقبة تاريخية إعادة خرق الكتابة السائدة، وخلق أفق سردي جديد.

لا تؤسس الكتابة القصصية العربية المعاصرة، في اعتقادنا، لمدرسة أو اتجاه في الكتابة، بقدر ما تستنبت لخصوصية كتابية ذاتية، ولصوت فردي يُعد تعبيرا متفردا يأبى على التصنيف أو الإدراج داخل نظام كتابي معين. ويبدو هذا جليا من خلال هذه النماذج التي تنزع إلى كتابة مفارقة تستدرج سنادات وبنيات أحيانا ما وراء سردية. فالجوهر التأليفي والكتابي الذي تستدعيه هذه النصوص أصله وعي القاص الذاتي، واشتغاله على انجاز عمل سردي بانشغالات فنية وبشروط كتابية خاصة جدا. وهناك مسألة مهمة تلح على القاص المعاصر وتشكل هاجسا ومنطلقا له، وهي البحث عن الجديد الذي لا يكرر تجارب سابقة أو مستهلكة، بل يستشرف آفاقه الخاصة، ويرسم تفرده وتميزه.

إنّ ما تقدم ينطوي على حذر رؤيوي يلزمنا بتجنب التعميم، وذلك بتأجيل الحديث عن القصة العربية من خلال هذه النماذج المختارة، وهو تأجيل تسوغه الحاجة إلى إعادة الإنصات إلى هذه النماذج العربية بغاية تأسيس ما يمكن عده دراسة في مداخلها الجمالية والفنية. فالقصة العربية تنهض من زاوية المقاربة التفصيلية لخطاب القاص الواحد من مواقع مختلفة تكون القصة نفسها مهيأة دوما لها. لذلك نتغيا الانخراط في تأسيس عتبة نظرية أوّلية ترى في فن القصة صناعة وبلاغة في المقام الأول.

فمصطلح القصة العربية المعاصرة يحجب التوافق والانسجام، ويُرسي تنوعا فنيا وجماليا وهميا لا حجة واحدة على تحققه إلاّ في هذه النماذج. ومن هنا يمكن استجلاء هذا الاختلاف انطلاقا من تأمل محدود لا بعدد كتاب القصة فحسب، بل أيضا بالزمن الذي تهيأ لهؤلاء الكتاب لكتابة القصة وفق شروط ذاتية تقتضي منا تنويع زاويا النظر إليها.

تبدو لنا القصة العربية المعاصرة من خلال هذا التأطير، وأيضا من خلال هذه النماذج سؤالا مفتوحا ينطوي على قضايا متشعبة تنتظر تجريبا تأويليا يقترب من عوالمها ورهانها. فندرة النقد القصصي هو ما جعل القصة مثل صرخة قوية في صحراء بعيدة، صداها لم يصل بعد، لكنها متحققة بالفعل والقوة. ومنفتحة على كل الأجناس والفنون، ومن خلالها تترسخ لدينا قناعة بأنّها سؤال مفتوح يحتاج إلى بناء وتأمل جديدين يحتضنان صرخة القاص المعاصر احتضانا عالما، يؤمن بسلطة النص القصصي بوصفه المنطلق الموجه لبوصلة التلقي والتأويل، وبوصفه بنية مفتوحة تنطوي على دلالات لا تقبل الرؤية التحليلية الأحادية.

إنّ أية مقاربة تحليلية لهذه المدونة الثرية والمتنوعة لا تشترط ممارسة نقدية ثابتة، ولا منهجا سرديا واحدا، ولا زاوية قرائية محددة، وإنّما توجه كتابتها نحو شرط قرائي يخترق الفهم المباشر لها. فالقصة العربية المعاصرة مثل امرأة عارية تنزل السلم، وليس القصد هو المعنى التجسيدي للجملة أو للوحة التي أبدعها الرسام الفرنسي “مارسيل دوشان”، بل القصد هو تقديم كتابة قصصية تحطم كل الثوابت وتخترق كل الأعراف الكتابية السردية، وأن تقدم نصا قصصيا جديدا ربما يتأبى على التأويل، أو ضده.

2 تعليقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*