الرئيسية | سياسة | تعنيف الأساتذة: من خرق الظهور إلى خرق الدستور | عزالين بوركة
تعنيف-الاساتذة

تعنيف الأساتذة: من خرق الظهور إلى خرق الدستور | عزالين بوركة

عزالدين بوركة:

 

تعنيف الأستاذ تعنيف للمستقبل

تعنيف الأستاذ قتل للمستقبل.

فمن سوّلت له نفسه ذلك؟

كان ذلك يوم الخميس السابع من هذا الشهر الفاتح لهذه السنة التي تحبو في أيامها الأولى. الخميس الأسود هكذا بتنا نلقبه مباشرة بعدما وقعت الواقعة، واقعة أو فاجعة، بين الأولى والثانية، جاءت مظاهرات (وقفات) الأساتذة الطلبة التي غطت مجموعة من كبرى المدن المغربية: الدار البيضاء، طنجة، فاس، أنزكان. منددة ومطالبة إلغاء المرسوم (الحكومي) القاضي بإجبار الأساتذة المتدربين باجتياز امتحان التوظيف، بعد أن يكونوا قد قضوا من عمرهم سنوات في اجتياز الامتحانات للحصول على شهادة أقصاها تخوّل لهم ولوج هذه الأقسام التي قد مروا إليها بعد امتحان عسير، ومن ثم المكوث سنة في التكوين. تكوين الطلبة، أساتذة المستقبل، بناة الأجيال القادمة، بناة المستقبل، الباحثين عن وظيفة العمر، تنجيهم المستقبل الغامض، الذي يسُود ويُسوّد هذه البلاد.

الأساتذةإذ قامت التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين في السابع من شهر يناير الحالي، بتنظيم مسيرات سمتها “مسيرة المناطق” وذلك على امتداد أربع مدن مغربية، سابقة الذكر، في إطار تنفيذها لبرنامجها الاحتجاجي الذي تمت صياغته بمعية منسقي جميع المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وفروعها بالمغرب. وقد عرفت هذه الوقفات المسالمة والسلمية تدخلا عنيفا وسافرا من لدن رجال الأمن، في حق هؤلاء المتظاهرين. فتكون بالتالي وزارة الداخلية، المسؤولة عن هذه القوات، هي المسؤولة الأولى عن هذا الحدث الدموي. إلى جانب وزارة العدل التي يقودها قياد في الحزب الحاكم، بفعل صمتها المطبق لحد الآن.

حكومة حزب “العدالة والتنمية” التي ألغت المرسوم رقم 854-02-2 الصادر في 10 فبراير 2003، القاضي بإلزامية توظيف خريجي المراكز التربوية الجهوية مباشرة بعد إنهاء فترة تدريبهم، لتحلّ محله المرسوم رقم 588-15-2،  المصادق عليه يوم 23 يوليوز 2015، والذي قضى بإلغاء المرسوم السابق. مما جعل من حكومة عبد الإله بنكيران غير ملزمة بتوظيف خريجي المراكز الجهوية. وقد رافق هذا المرسوم، مقترح مرسوم آخر يقترح تخفيض مِنَح الأساتذة-الطلبة إلى النصف.

الأساتذة-يردون-بقوة-على-تهديدات-بنكيران-840x473مما ترتب عن ذلك بعد أشهر من إقرار المرسوم، وقفات هؤلاء المتدربين، الوقفات التي ما فتئت تحولت إلى عَدوٍ وجري هروبا من عصي وهروات قوات الأمن التي صارت آلات هشم ونخرٍ وخرق لعظام هؤلاء الأساتذة. فمن سولت له الحق في ذلك؟

من المعلوم أن البرلمان المغربي قد عرف شبه إجماع بإيجاد حلٍ لهذه المشكلة، وقد ذهبت فرق برلمانية إلى أبعد، إذ أعلنت تضامنها مع الأساتذة المتدربين، مما وضع الحكومة في موقف العزل، غير أن وزارة الداخلية تخرج إلينا معلنة أن الأمر مُفرغ منه ولا تراجع فيه. فبدل أن ترتكن الحكومة إلى الحوار الوطني الحضاري، يرتكز على السماع والحجاج، اجتاحت قوات الأمن المتظاهرين، فعمدت إلى تعنيفهم بقوة مبالغ فيها، إلى حد القسوة المفرطة. غير مكترثة لذكر وأنثى، لمريض ومعافى، لصغير وكبير. خارقة ظهورهم التي لا تحمل سوى البياض وحلم صغير وري لغد مجهول. وقد ورد على بعض وسائل العلام الإلكترونية نفي حكومة عبد الإله بنكيران، ووزارة الداخلية تعنيف المتظاهرين، رغم وجود وتداول فيديوهات توثق للعمليات السافرة والوحشية القمعية التي استهدفت الشباب المتظاهرين. غير أنه خرج للعلن السيد “أفتاتي” الذي اتهم وزارة العدل في أنها مسؤولة بدورها عن الحدث، إن لم تحرك ساكنا في القضية. مما يحيلنا إلى أن الأمر شكل زلزال داخل الحزب والحكومة نفسها.

وبعيدا عن الدخول في حيثيات الزلزال المذكور وخلفياته التي تمتد إلى أبعد من هذا وصولا إلى قضية أخنوش، وغيرها كثير، قضايا خلقت جدالا داخل حزب “العدالة والتنمية”. فنحن نتناول القضية /الحدث، من جهات أخر. أولها أن القضية تم فتحها عن خلفية إقرار “مرسوم”، الذي يُعرّف بأنه: قانون ذو صبغة تشريعية، صادر عن رئيس الدولة (أو الحكومة) وتكون له قوة القانون، ولا يحتاج لأن يُصادق عليه مجلس النواب (البرلمان)، ممثلي الشعب، ليصير قانونا… وبعيدا عن الأطروحات القانونية، وسيجالاتها، التي نتركها لأصدقائنا القانونيين ذوي الاختصاص والحل. غير أننا من جهتنا، صحفيون ومثقفون، نتساءل عن مدى ديمقراطية هذه المراسيم (جمع مرسوم)، وكيف لها أن تصير قوانينا لا يصادق عليها الشعب متمثلا في نوابه؟

IMG_1847وثاني الأمور وأفظعها، كون هذه الحكومة التي اختارها الشعب في فترة مصيرية، وهامة في تاريخه وتاريخ المنطقة، كادت أن تقود لسيناريوهات مخالفة لما نعرفه اليوم، في احتمالات كادت لها أن تصير مشابهة لبعض ودول المنطقة. حكومة عبد الإله بنكيران، المُدعية أنها جاءت تخدم الاستقرار، والشعب، ومواجهة التماسيح والأشباح (أو بصيغة مغايرة الدولة العميقة)، ها هي تصير نفسها التمساح، الذي ينهش لحم شباب يحلم بغد زهري وهادئ وأبيض.

وثالث الأمور وأشدها و”أعصاها”، ذلك الخرق الدستوري والقانوني، الفاضح الذي ارتكبته الحكومة متمثلة في قواها البوليسية، التي استعملت عصيها في وضوح الشمس يوم الخميس الأسود، لخرق ظهور المتظاهرين السلميين. يأتي القانون المغربي في مادته التاسعة عشر، مؤكدا عن عدم استعمال العنف في تفرقة المتظاهرين إلا بعد إصدار ثلاث إنذارات بمكبرات الصوت، غير أن شهادات تأتي لتؤكد نفي سماع الإنذارات؛ وليست هذه المادة ما تهمنا رغم اللبوس الذي فيها والغرابة. وتأتي المادة الثانية والعشرون من الدستور المغربي (2011) لتخبرنا أنه لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف ومن قبل أي جهة خاصة أو عامة… (مما قد يكون متناقضا مع المادة القانونية السابقة الذكر)، إلى أن تصل المادة 22 إلى أن ممارسة التعنيف بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، يعاقب عليها القانون…

فأليس من يخرق ظهور المسالميين يخرق الدستور، يخرق الكرامة والإنسانية؟ أليس هو التمساح؟

ومن جهة أخرى، ونظرة مغايرة يأتي رأي (لسنا أصحابه)، فيه من الحكمة ما فيه. يعتقد أصحاب هذا الرأي أن هذا الحدث السافر… مجرد عملية، بقدر فظاعتها، هي توجيه للرأي العام المغربي من القضية الأهم، قضية لم تكن سابقة مطروحة في مستوى القاعدة الشعبية، في حين كان مطروحا فقط بشكل خفيت على المستوى النخبوي، ألا وهي قضية “معاشات  البرلمانيين والوزراء”. هذا الأمر الذي يؤكد المطالبون بإلغاء هذه المعاشات، ما هو إلا تبذير للمال العام، في ظل تفشي البطالة والمعاناة في الطبقة الفقيرة من الشعب، التي تشكل الغالبية الكبرى. بل ذهبوا إلى حد القول أن هذه المعاشات هي رشوة دائمة لهؤلاء النواب(م).

بين هذا وذاك، نكون أمام حدث يشهد عن تقلص واضح لحقوق الإنسان بالمغرب. وقد يأتي إلينا عن قريب مدعين، عن الحكومة ووزارة الداخلية، ليدعوا أن القوات الأمنية تحركت دونما إشارة من الأول أو الثاني. نطرح سؤالا استبقيا لهذا الادعاء المنتظر: كيف لقوات أربع مدن أن تتحرك في دقيقة واحدة لتعنيف الشباب، إن لم يكن هناك تنسيق عالٍ المستوى؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*