الرئيسية | سرديات | جدَّتِي الّتِي طوتْ فِراشَها، واختفتْ في الزِّحام. | سعيد غيدَّى
غيدى

جدَّتِي الّتِي طوتْ فِراشَها، واختفتْ في الزِّحام. | سعيد غيدَّى

سعيد غيدَّى:

 

 

أيُسلِّيك هذا الجسدُ المُسجَّى يا جدَّتِي، أنا يُبكِّيني هذا التّعبُ فيك.

كمَنْ يطْوِي أشياءهُ لآخِر مرّة، طوَيْتِ أصابِعكِ، ابتسامتَك وركبتيْك وطويْتِ أذُنيكِ ورمَوشك، وطويْتِ شفتكِ السُّفلى، وطويْتِ صُورك ومجْدكِ وكلّ الخالدِين فيك، وطويتِ السنين، والعهْد الباقِي، ورائِحة الخُبز وصِغار الدّجاج، والأرانِب، وطويْتِ الحلُم وجَدِّي، وطويْتِ أغانِيكِ والمواوِيل، وحبُوب الجُلبّان والعلِّيق، وطويتِ الزّعفْران البنفسجِي وتِلك الحقُول طويتِها، وأرضُك والدّارُ ونُباح الكلاب وصهِيل الخيُول فيك ومُواء القطط، وطويتِ بلادَك والكُحل البلْدِي. أنا يُبكِّيني هذا الرّحِيل فيكِ.

لا يُتعِبني جدَّتِي أن أقِف عنْد رأْسِك ليالياً تطُول، كأنِّي أعدُّ فيك آمالِي وخيْباتُك، وأرى فِيك صُور كلّ الّذين مرُّوا، أرى جدِّي وأهلِي ممّن لم ينتظروا قلِيلا، فودَّعُوا، أرى حقُول الكرمِ والدّالِية، وصفُوف البرقُوق، وظِلال الجوْز، وهشاشَة التُّوت؛ وأرى سرْب الطُّيُور تحلِّقُ من أعشاشِها، وتنْتهِي في حُضنُك.

 لا يُتعِبني جدّتِي أن أطِيل في تجاعِيدك التأمُّل وابتسِمُ، أحبُّ وجْهكِ المُجعّد، وبرِيق عينيْك لم يمسسهُ الكبرُ ولا هان فيه البصرُ؛ كمْ يأسرُني التّاريخُ المجِيد فيك.

أراكِ تتعبِين مُكرهةً، مازال بامكانِك أن تُطعمِي الدّجاجات، وفي المساءِ حِين تطمئنِّين على دخُولها إلى خُمّها، نتحلّقُ حولَك، ونطُوف بك كالكعْبة، تحدّثينا عن معارِكِك، عن هزائِمك في الحبّ، وعن انتصاراتِك في الحُبّ، ونحنُ لا انتصار لنا إلاّ هزائِمنا في الحبّ، أراكِ مُتعبةً وجدّاً، مُكرهةً تجُرِّين غطاءكِ حتّى كتِفيْك، حتَّى لا تصيبنا الخيبةُ في الجسدِ المهزُوم، في الجسدِ الخائِن، وأنتِ هكذَا تطوِين اللّسان والذّاكرة، وحوْلك نتساءَل: هل ستعُود الجدّةُ؟

 وأنتِ الشّجرةُ، والشّجرةُ تطوِي عُمرها واقِفة؛ لماذا هُنتِ جدَّتِي واستلْقيتِ وكلُّ قواكِ طويتِها، وطويْتِ أقفالَك، من تؤمِّنين بعدَك على ودائِعك، على الدّجاجات، والماءِ في البئْر، من تُؤمِّنين على البُنّ في خزائِنك والشّاي، وقطعِ الحلْوى، والمرآة الخضْراء القديمة، من يفْتحُ أقفالَكِ ويُغنِّي مواوِيلك دُون أن يُجرحَ في القِدْرِ سَمنٌ قدِيمٌ. وأنتِ الشّجرةُ، لماذا تطْوِين بكاءنا خلْفكِ، وأنْتِ تعلمِين أنَّا ليْس بوُدِّنا أن نُغنِّي.

أنا يُبكِّيني الزّمنُ الأحْدبُ بعْدكِ، وتُبكِّيني الأطلالُ بعدكِ، والغدُ الغامِضُ، يُبكِّيني الزّمنُ الغدَّار، واللّيلُ المُوحشُ، ونعيقُ البُوم سيملأُ الذّاكرة، وسيشكُو الجيرانُ شُؤْم المكانِ وسيلعنُون بيْتكِ. يُبكِّيني الصّدى حين أنادِيك “جدّتي”. أمّا أنتِ فستبْقيْن في قلْبِي طِفلةً تنامُ طويلا، وشجرةً طوتْ ظلّها ونامتْ في المسَاء.

سأذكُركِ دوْماً، راهِبةً ندَرتْ حياتَها للمعابِد، فسلامٌ عليْك يوْم وُلدتِ ويوْم نلتقِي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*