الرئيسية | سرديات | حساب دنيوى (شطحة تهكمية) | محسن يونس
محسن يونس

حساب دنيوى (شطحة تهكمية) | محسن يونس

 محسن يونس (مصر ):

  فى حياته الفانية استهلك عوضين الجراس امرأتين، والثالثة شاهيناز الخلاصة التي أمسكت به إمساك العلة المزمنة، وقد أفلتها، ومضى إلى طريق لا رجعة فيه، كان قد وصل وزنه لحما وشحما وعظما مائة كيلو جراما وخمسة، وأكل في حياته الماضية تلك نحو سبع بقرات سمان – لا تفسيرا، ولا محاكاة  لرؤيا مقدسة، ولكنها جاءت معه هكذا –  وعشر من الجاموس البتلو، وتمتع بكباب أربعين خروفا ذكرا، منهم حسب طلبه حوالي الثلاثين خروفا مخصيا ربيت من أجله، وخمسا من الغزلان، جاءت إليه مهربة من إحدى البلاد الأفريقية، وجملا واحدا، للتجريب فإنه لم يستصغه مذكرا سامعيه أن له مع الجمل حكاية، وهو صغير عضه جمل، وحمله إلى أعلى بفكيه مطوحا له في الهواء حتى كاد لحم كتفه أن ينتزع، وما بعض الآلام التي تهاجمه كل فترة إلا بسبب هذا الجمل، كانت تلك اللحوم بكافة أنواعها مقسمة بالطبع إلى قطع مشوية أو مسلوقة أو محمرة في زيت، أو مفرومة ومدهوكة في بيض، أو محشوة داخل البطاطس، أو مدسوسة في خضار، ولم يقرب لحم الأحصنة أو لحم الخنزير، إلا مرة واحدة أو مرتين، ومن الأرز عشرة أطنان، ومن المكرونة طنا واحدا، فهي كما وصفها بنفسه تلبك المعدة، وعشق من الفاكهة ثمرة المانجو فلحس ومص واستحلب مع غمغمة توجز ما يشعر به من لذة، وهو ينهش في لحم الثمرة بأسنانه، ما يزيد على ألفين من أقفاص المانجو، زنة كل قفص حوالي العشرين كيلو جراما، كانت تأتيه من الإسماعيلية مباشرة، يشارك ثمار المانجو، ثمار الفراولة، لذا يمكن القول أن عوضين الجراس جمع في حبه ثمار الشجرة وثمار الشجيرة، ومع التحول للزراعة المغطاة والتي استوردت طريقتها مع دخول خبراء يعملون كل أيام الأسبوع ما عدا يوم السبت، واكب هذا التحول الانتباه إلى تلك الأراضي الصحراوية المحررة بعد حرب أعقبها معاهدات، أصبحت هذه الأراضي تنبت الفراولة مع أنها ظلت قرونا لا تنبت إلا الرمال، وهكذا مكنت هذه السياسة الجديدة عوضين من إحضار نصف طن أو ثلاثة أرباع الطن أكلها إما ثمارا يزدردها، أو عصيرا يضاف إليه بعضا من الصودا أو السكر، لذا تجرع مسحوق ما يزيد على خمسمائة كيس فوار تضاف للماء، لإذابة الأملاح من كليتيه، وبمناسبة الخضار كان يحب السبانخ والقرع العسلي والكوسة، فأكل من الأول ما يوازى إنتاج خمسة حقول، أي ما يزيد على ثلاثة أطنان لو حاول أحد أن يقرب إلى ذهنه ما تنتجه هذه الحقول الثلاثة، أما القرع العسلي فمع اللبن وعسل النحل ربما مائة ثمرة وزن الواحدة يتراوح بين الثلاثة كيلو جراما والأربعة أو الخمسة أو الستة كيلو جراما، أما الكوسة، ولأنها خفيفة على المعدة فطبخ له في مطابخه أكثر من الطن منها، ومن البطارخ التي تؤخذ من أنثى أسماك البوري، وتأتيه إما من دمياط أو الإسكندرية، أو السويس، مملحة ومجففة، أكل منها ما بين الخمسة والعشرين كيلو جراما، والثلاثين كيلو جراما، والشيء بالشيء يذكر فقد جاءت إليه علب كعك القوة، وهو الكافيار الذي ينتج من أسماك الحفش في كل من دول روسيا وإيران ورومانيا، لم يستطع استيراده من إيران، فبقيت الدولتان الآخرتان، يقدمه لنفسه أو لأي ضيف هام يستضيفه في قصره، أو في المناسبات الرومانسية المثيرة، ولكنه يقدمه أثناء ذلك بالطريقة التقليدية، وهي أن يؤكل مع مواد ذات طعم محايد- أي بدون ملح – كأن يؤكل مع خبز أبيض أو محمص أو مع بيض مسلوق جداً أو مع كعك البطاطا أو مع الأرز، وينبه على طباخيه بتقديم أطعمة خاصة مع الكافيار وهى أيضا يجب ألا تؤثر على مذاقه الفريد مثل الأفوكادو والكريمة الحامضة والزبدة غير المملحة، يمكن تقريب وزن علب الكافيار التي تناولها بحوالي سبعين رطلا لا غير، ومن البيرة التي بها نسبة من الكحول ما يملأ بسائلها حجم حمام سباحة في أحد الأندية المشهورة، حتى يمكن اعتباره لا يشرب الماء القراح إلا نادرا، أما الخمر من الفودكا، ومن الجن، والنبيذ والشمبانيا فكثير من الزجاجات امتلأت بها أرض خراب جنوب قصره تقدر مساحتها بألف متر مربع كأنها زرعت بها، وكان الخدم يسطون عليها ويغسلونها جيدا من نجاستها لتملأ بعد هذا بالماء، وتوضع فى ثلاجة تستعمل عند الظمأ، وقد أحب قبل السنة التي سبقت موته بثلاث سنوات نبيذ شاتو موزار اللبناني، وفضله على الأنبذة الأخرى عددا من الزجاجات يمكن أن تحمل صناديقها سيارة نقل ذات صندوق طويل، الطعام والشراب كثير، فلا تثريب عليه إن أكل أو شرب، أما عن اللحم الحي، فعدد خياناته لزوجاته الثلاث مع نساء أخريات ستا وثلاثون مرة، منها سبع علاقات دائمة، ثلاث مع نساء متزوجات، والأربع مع نساء إما مطلقات أو أرامل، منهن واحدة أحرقت نفسها بعد أزمة معه، والأخرى ألقت بنفسها في نهر النيل بعد أزمة ثانية معه، والتسع والعشرين الباقية علاقات مع نساء عابرات، امتلأ قلبه بألف حقد استطاع أن يحصد جوائز ألف هزيمة، وظل حقده على المهزومين باقيا، وخمسمائة ألف من الأحقاد التي عالجتها ظروف ارتبطت بالمناخ السياسي، وصعود طبقات وانهيار طبقات، أما ذهابه إلى النيابة خمس مرات فبقدرة المحامين خرج من ثلاث كالشعرة من العجين، والاثنتان الباقيتان واحدة حكم عليه بستة أشهر سجنا، وبقدرة المحامين أيضا استأنف الحكم ليحصل على دفع غرامة مالية دون السجن، أما المرة التي دخل فيها السجن فقد كان يجب أن يدخل السجن دفعا لمصيبة أكبر، وقضى به سبعة أشهر، وخرج قبل قضاء العام لحسن السير والسلوك، في هذه السبعة أشهر تعرف في السجن على الكيف، ودخنه باستمتاع، وطلبه باستمرار، وأعطته سحب الدخان الأزرق نظرية واحدة خرجت من مخه المخدر ملخصها أن الاستمتاع بمباهج الحياة ليس متاحا للجميع، وأن صاحب المال والصحة هو أكبر مستمتع، وعلى هذا استنتج أن عليه أن يزيد من ماله وهيلمانه، أما الصحة فلم يذهب إلى الطبيب في حياته إلا مرتين، واحدة لطبيب باطني لشعوره بمغص حاد في منتصف بطنه، وشخص على أنه تقلص حاد في مصرانه المستعرض نتيجة لتخمة صاحبها توتر، أما الطبيب الثاني فهو للعلاج البديل حينما زاد وزنه ووصل إلى مائة وسبعين كيلو جراما، استطاع أن ينقصها إلى أن صار وزنه مائة وخمس فقط، أما وجهه فقد رفض أن يلعب فيه أي طبيب جراحة تجميل، قائلا إن خلقة الله لا ينبغي التعديل فيها، أخرج زكاة المال اثنتي عشرة مرة، وصام رمضان عشر مرات فى حياته متقطعة، وكان طبيعيا أن يقيم خيمة مائدة الرحمن قدم فيها الأرز والبطاطس بالدمعة مع حتتين من اللحم، بجانبهما طبق ورقى به خمس تمرات بلح، وكوب ماء، حتى يجرح الصائم صيامه، والحلو كوبا من الياميش، ظهرت الخيمة في التليفزيون الرسمي عدة مرات، وبعض الناس ينتظرون المؤذن يؤذن المغرب، ومشاهد لهم وهم يقبلون على تناول الإفطار، وفى السنة الأخيرة من حياته تحول من الفساد إلى التقى والورع والصلاة، أطلق لحيته، وأمسك مسبحة لا تفارق أصابع يده اليمنى، وهى تسقط خرزاتها تباعا، وصلى في هذه السنة اثنا عشر ألفا وسبعمائة وأربعين صلاة فرضا، يزاد عليهم صلاته ست آلاف وثلاثمائة وسبعين ركعة تطوعا، ولكن يمكن القول إنه كان يحن إلى حياته السابقة، فكان يتساهل مع نفسه في بعض الأحيان، عوضين وهو سائر نحو سيارته المرسيدس بنز كان يضحك، مشيرا إلى المخرج والبقية بيده مودعا لهم، ولكنه خص دكتور الشعبي بقبلة طبعها على راحة يده، وأرسلها له فى الهواء : ” على فكرة أنا حصلت على شهادة ليسانس تربية، ولكنى نسيت ما تعلمته، فهو لا فائدة منه فى الحياة العملية خذها منى يا دكتور الشعبي تدوير الحياة ليس معيبا أو مسفا، لكنه حقيقة من حقائق الحياة لو فكرت بغير طريقتك .. أتعرف عندي نظرية في تدوير الحياة لو أذعتها سيتغير وجه العالم .. سلام “

قبل أن يجيب الدكتور بشيء، كانت المرسيدس بينز تغادر بسرعة ..

ترك عوضين الجراس لزوجته شاهيناز خمسة مليار من الجنيهات كل جنيه ينطح جنيها، وعمارتين تتكون الأولى من أربعة عشر طابقا، لها أربعة مداخل منفصلة، والأخرى من ستة عشر طابقا، لها أيضا أربعة مداخل منفصلة، وجراجا، وأربعين فدانا بالإسماعيلية تُزرع بالمانجو، ورصيفا باسم عوضين الجراس بميناء دمياط، ومصنعا لإنتاج الملابس يعمل به تسعمائة موظفا وعاملا ببورسعيد، وألف فدان بسيناء، وثلاث سيارات مرسيدس سوداء وحمراء وبيضاء، وسيارة تويوتا فان، وأخرى شيروكى، وفيلاتين، وشاليهين أحدهما بمارينا الساحل الشمالى، والثاني بشرم الشيخ جنوب سيناء، طلبت شاهيناز الرحمة له من رب العالمين أربعين مرة، منهم عشرين مرة بصوت عال أمام من حضر للتعزية، وقالت إنه كان نعم الزوج في الخمس سنوات التى استظلت بظله ثماني مرات، وأمام المعزين أيضا، وصاحت في أقارب عوضين، وهى تفتح الباب مرة واحدة باترة : ” سعيكم مشكور .. مع السلامة ” وأغلقت الباب بالترباس وأدارت مفتاحه ثلاث دورات لأنها سمعت أقارب عوضين  وهم يتدحرجون على السلم : ” من حمل ماله وضياعه حمل آثامه يا حلوة “

 كانت وحدها .. خرجت ضحكة واحدة طالت حبستها في صدرها .. قالت لنفسها وهى تفتح ذراعيها لأقصاهما : ” لن أتحمل من آثامه ومخازيه ولا نصف واحدة، ولكنى سأتمتع بهداياه أحسن التمتع .. “

بعد هذه الجملة لم تنطق، وراجعت كل ما مر بها منذ الفجر، حيث طلب منها عوضين أن تعطيه شربة ماء، وهو يحكى لها وقائع رحلة اليخت وما حدث فيها، وكانا يضحكان على تلك الوقائع، شاهيناز حفظت أسماء من كانوا على اليخت، تحول كل اسم لواقعة مضحكة، إذا ذكرته اهتز السرير، وفاحت رائحة الرغبة، قدمت له كوبا، تجرع منه جرعة ونصف الجرعة، وأسند رأسه إلى صدرها، شهق شهقة واحدة ومات، صرخت مئات الصرخات، ولطمت مئات المرات، وكانت مع الجنازة لم ترض بمن قال أن عليها المكوث فى البيت، أو تسبق إلى المقابر، شيعه خمسمائة مشيع، لتصميم شاهيناز على أن تكون الجنازة مشيا على الأقدام، وعدم استخدام السيارات، تلك البدعة الجديدة، خاصة وأن بين بدأ الوداع وبين المقابر كيلوا مترا واحدا لا أكثر، ومشى رجلان من على اليمين وعلى الشمال يعلنان كل عشر خطوات بصوت يشبه النواح بغير دموع : ” سبحان من له الدوام، يشيع عوضين الجراس إلى مثواه الأخير.. وحدوووووه  “، قام المخرج بتصوير الجنازة خمسمائة لقطة فيديو، ومائتين من الصور الفوتوغرافية بنفس الكاميرا الديجتال، حملها على كتفه بنفسه دون الاستعانة بالمصور، الذى كان بين المشيعين، وكان يبكى بحرقة أثارت انتباه المشيعين، عمل على إكمال دفنه بمقبرته الخاصة خمسة رجال، كانوا يُدخلون الجثمان إلى لحده، مال شاب نحيل على أذن رجل يقف بجانبه وهمس في أذنه : ” عوضين الجراس كان صفرا، والصفر رقم ما قبله سالب، وما بعده موجب !! “

أثناء ذلك حاول تاريخ عوضين الشخصي أن يدخل معه قبره، إلا أن القائمين على أمر الدفن كانوا نشيطين، فسدوا فتحة القبر بمستطيل من الرخام، وثبتوه جيدا بمخلوط الرمل والأسمنت الأبيض، فلم يستطع تاريخ عوضين الشخصي أن يدخل إلى حيث يكون دائما معه صاحبه، فجأة صاح رجل : اهربوا .. تاريخه حر طليق سيركب أكتافكم .. اهربوا .. كانت جملة بها الكثير من الافتعال، وربما كان الرجل يسخر، ولكن جملته أثرت، جرى الخمسمائة مشيع في دروب المقابر المتشعبة خلال أربع دقائق، وقفت شاهيناز وحدها تنظر للقبر دقيقة واحدة، بعدها أفاقت كأنها نامت واستيقظت في هذه الدقيقة، جرت تاركة فردة من حذائها انخلعت من قدمها، عند حافة المقابر وجدت رجلا أبيض اللحية طويلها، ثقبها بعينين ممتلئتين بفراش يسقط منتحرا على شعلة من نيران، بادرها بقوله : ” الذنب ذنبنا .. كان يعيش بيننا “

كرر الرجل قوله ثانية مغيرا ترتيب كلماته بصوت ممطوط وممتد : ” كان يعيش بيننا .. الذنب ذنبنا “، ثم جرى فى نفس دروب المقابر الضيقة، كان جريه لا يناسب سنه، ولا شكله، قالت فى نفسها مرة واحدة لم تقلها بعدها أبدا : ” أيريد هذا الشبح أن يحمل أحدا خطايا عوضين ؟! “

ارتعد جسدها، ونبتت حبات العرق من كل مسامها، كانت تنظر في كل جهة، وخاطرها مثقل بظن هذا التاريخ حقيقة مجسدة وليس مجازا، يمكنه بالفعل أن يسبقها، ويدخل من تحت عقب الباب المغلق، أو من شقوق النوافذ !!

شربت جرعات من مياه باردة بعدها نامت على السرير، تقلبت خمس مرات، واحدة على جانبها الأيمن، وواحدة وجهها، وواحدة على جانبها الأيسر، أما الرابعة والخامسة فقد كانت على ظهرها، فردت ذراعيها على طولهما، ونظرت إلى السقف طويلا .. ضحكت شاهيناز وهى تردد كلمة واحدة : ” أوهام .. أوهام .. “

هبت من فوق السرير، مشت أربع خطوات مستقيمة، انتهت عند الخزينة الحديدية المتينة، الداخلة في الجدار كأنها منه، قلبت في دلاية المفاتيح، عثرت على المفتاح الذي تريده، أدخلته في ثقبه وأدارته ثلاث مرات، لتبدأ حياتها ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*