الرئيسية | أدب وفن | دلال الصماري: سلوكاتي الفنية بحث في ذاكرة الشيء و جوهره
دلال

دلال الصماري: سلوكاتي الفنية بحث في ذاكرة الشيء و جوهره

دلال الصماري:

خلال سلوكاتي الفنية اليومية أنا بصدد البحث في ذاكرة الشيء لأنني أؤمن ولدي قناعة راسخة أن الشيء لم يخلق ليعيش حياة واحدة، الشيء له حياة و مهمة و بالتالي ذاكرة، و يموت كالبشر وفي موته تكمن علّتي فموته بداية حياة ووجود بالنسبة لي أخذه من حيّزه المكاني والزماني ليكون له معي حياة جديدة ومهمة أخرى وذاكرة أخرى، تخرج المعادن والأوراق والخامات النباتية المتلفة والمنتهية صلوحيتها معي إلى فضاء جديد…

عمل الصماري

إن شكل المتعة لا يحصل في مستوى الحساسية في مستوى الشكل أو المجرد،

فبعد أن تسحق علب المواد المختلفة المعدنية تحت عجلات السيارات وتفقد أبعادها الثلاثية وحضوره الشكلي و اللوني السابق لتصبح صدئة متهرئة اجمعها كمن يجمع كنزا منبهرة بكل تلك التأثرات التي أحدثها الزمن والطقس والإنسان عليها ، كما إستهوتني قشور الرمان التي كانت أمي تجمعها دائما بعد الانتهاء من فرز حبات الرمان منها و شميسها وحفظها لما لها من فوائد كثيرة صحية على حد رأيها، ولأن شجرة الرمان لطالما كانت موجودة بحديقة المنزل ولي معها ذكريات كثيرة، كما اجمع كل بواقي الخامات البيئية التي من حولي من حديقة منزلي والشوارع المحيطة ومؤخرا صرت أتنقل إلى مصب قمامة كبير يلقي فيه المواطنون بقايا الأشياء القديمة والمنتهية صلوحيتها لديهم لاقتات منها منابع اشتغالي، حيث أعتمد أيضا على صمغ الحيوانات الذي يجهزه لي أبي خصيصا لتصبح خاماتي مختلفة المنابع والتأثيرات والمراجع.

المحيط من حولي منتج و أنا وفية لعادة الالتقاط، التقاط الخامات و منها الأفكار، ليصبح الخطاب البصري الذي أقدمه للمشاهد مستفزا و محرجا و يدعو إلى الكثير من التساؤل، فان يرى المتلقي في لوحة فنية ما رماه يوما في القمامة أو ما ضّنه يوما منتهيا هذا من شأنه أن يحرك في فكره قناعات لطالما كانت راسخة على كونها حقائق ثابتة.

عمل الصماري2

فيحقق بالتالي الأثر الفني وظيفة ذاتية أو ميتافيزيقية عندما يكون مناسبة لتمكن الفكر أو الروح من النفاذ إلى الخامة و تحديدا عندما يفسح المجال للروح

قناعات حول سلبية العدم، بان العدم فناء انتهاء، هذه السلوكات التي أمارسها ستزعزع هذه القناعات وتجعلها محلّ تساؤل وتدارك لذلك أنا أخاطب من خلال ما افعل ما هو مسلم وتحصيل حاصل لأربك وجوده فانجاز الأثر أو صناعته و أدواته يرتبطان بإشكال كبير و هو التلقي لان كل اثر فني هو موجه إلى جمهور فهو يتحدد بمتلقيه ،إن المتلقي عنصر أساسي في مسار إنتاج العملية الفنية لذلك أردت أن أخاطبه بأدواته بأشيائه المعتادة في غير محلها و موقعها.

بما أن العنصر الذي يحدد الأثر الفني في المقاربة التجريدية ليس هو الأثر-الموضوعي،بل الأثر-الذات وهذه المقاربة ترجع الأثر الفني إلى الفنان (إلى صانعه) فالأثر الفني يصدر عن ذاتية الفنان عن الموهبة و الإبداع الكامنة في الذات المبدعة فهو إذ يعكس حالة ذاتية و الفن اثر لأنه تشكيل ذاتي أي صوري للمادة فهو يعكس اثر الذات الفاعلة على المادة و تطويعها لتصبح قيمة فكرية.

فيحقق بالتالي الأثر الفني وظيفة ذاتية أو ميتافيزيقية عندما يكون مناسبة لتمكن الفكر أو الروح من النفاذ إلى الخامة وتحديدا عندما يفسح المجال للروح لان تتجلى في المحسوس فالفن يساهم في إعلاء الأشياء أو سموّها عندما يضمنها مضمونا روحيا وعندما يتضايف فيه الشكل مع المحتوى فهو ليس مجرد معرفة لأنه لا يستبعد الجزئي أي المحسوس بل ينخرط في صيرورته و يعليه فهو إما يدرج روحا في المحسوس و إما مادة في الفكر و في كلتا الحالتين فالفن إعلاء .

فالأثر الفني يثير متعة في الروح عندما يتسامى بالمحسوس، عندما يدرك معنى الشيء ووجوده الأخر وجوده الأعمق، حيث لا يثيرنا في الأثر الفني التجريدي هو ذلك الشيء المادي بل هو ما يحمله ذلك الشيء أو ما يجسده و المثول أمام الأثر يعبر عن حالة حرة عن تداعي حر ،عن حالة تهز الفكر و النظر أكثر مما تهز الحواس آو الحساسية.

الفن يشكل مناسبة ترفعنا من الأكثر مادية إلى الأكثر روحية تعود النفس بمقتضاه وتكون به عند ذاتها ،جمالية الأثر الفني تتولد تحديدا عن تلك الإثارة التي تحصل في النفس ساعة الانتقال من المحسوس إلى ما بعده.

دلال

أؤمن كثيرا بما هو روحي في الشيء

والإثارة الجمالية لا تحصل في الغالب بمشاهدة الأثر الفني بل بالتأمل فهي لا تتأتى من العنصر الواقعي الذي قد يحضر في الفن بل من المظهر و من الصورة التي تنتشر في اللوحة بطريقة معلنة أحيانا و خفية أحيانا أخرى، مثلا يمكن أن نشهد شكل من غياب الأبعاد التي تحيل إلى المادة و يظهر لدى الرسام ميل إلى العودة إلى الذات إلى الداخل إلى ما يسمى الحيادية الداخلية (كاندنسكي) .

إن فضاء اللوحة الفنية هو فضاء روحي خاضع لأشكال و تاليفات تمتع و تثير، و الصورة و الشكل المجرد هو ما يثير المتعة هو الذي يحركها و يهزها و عندما كان كانط يميز بين الجليل و الجميل من حيث أن الأول يوجد في الأشياء و أن الثاني قيمة لا توجد إلا في الفكر أو العقل فهو لم يكن يقصد إحداث تضاد بينهما فهو كان يثري شكل المتعة سواء كان مباشر أو غير مباشر ،تامة أو ناقصة ،سلبية (الجليل) أو ايجابية (جمالية)، إن شكل المتعة لا يحصل في مستوى الحساسية في مستوى الشكل أو المجرد، المشهد الفني التجريدي يحيل دائما إلى الذات و إلى الداخل إلى إنسانيتنا أولا و ليس إلى الطبيعة.

و دائما ما أميل إلى الاختزال و التقشف أثناء ممارسة سلوكاتي الفنية، تقشف مادي و لوني و شكلي انزع دائما إلى التعبير من خلال الفراغ كما الشكل، اعتمد على أسلوب التقليل لشحن التعبير و الوصول إلى جوهر الشيء المستخدم و الذي لا يمرّ بالضرورة من خلال كثرته.

أؤمن كثيرا بما هو روحي في الشيء و لطالما اعتبرت أن خاماتي قدرها أن تنتظر لقائي ليتغير قدرها و تتعالى و تسمو عن وجودها المادي الوظيفي المعتاد و لطالما قادني حدسي إلى حيث يجب أن أكون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*