الرئيسية | سرديات | زينة الحياة الدنيا | حنان درقاوي
حنان الدرقاوي

زينة الحياة الدنيا | حنان درقاوي

حنان درقاوي  (المغرب ):

 

حين رأيتها  قبل أربع سنوات كانت” زينة” ثملة. عائدة من عند “صادق” الثري العربي المقيم في الطابق السابع عشر من عمارة السعادة. كانت تمسك حزمة أوراق مالية لا تزال رائحة البنك تنز منها. هجمت على باب غرفتي حتى كادت تقتلعه، صاحت بكل قوتها:

-دولارات، دولارات.

-من أين لك بكل هذا؟

– غطى جسدي العاري بالدولارات وأمرني بلحس كل جزء من جسده. كل لحسة بمائة دولار . جن جنونه في الأخير فأفرغ حافظة نقوده. تعريت فقط وربحت ألفي دولار! ألفي دولار !

كانت تبدو مجنونة فعلا وهي تقفز في كل أنحاء الغرفة.

-ولماذا تفقدين صوابك الآن؟

-لأنني لا أصدق! بعت أول قبلة بدرهم فقط لأشتري قلم رصاص كانت معلمة العربية قد هددت من لم يحضره ب”الفلقة”. كانت تلك أول مرة في حياتي. بعدها لم أتوقف أبدا و حتى بكارتي لم تساو أكثر من قارورة عطر رخيص. غادرني البغل الذي وعدني بالزواج ورحل إلى “الطاليان” بعد شهرين من فعلته.

كنت قد نلت شهادة البكالوريا. جئت إلى العاصمة. فتحت لي ذراعيها وتعرفت إلى صادق وهو فرصة حياتي. في البداية لم أتصور أن يهتم بي خاصة حينما رأيت جمال الفتيات اللواتي يعج بهن بيته. طوابير لحم أبيض أنيق، معظمهن طالبات جامعيات يقمن في الأحياء الجامعية. رأيت في بيته مضيفات طائرات وموظفات أيضا.

– أعتقد أن الخمرة قد عبثت برأسك!

-لا ، بل أنت لا تعيشين في هاته الحياة !

– دعينا الآن من هذا، ماذا ستفعلين بكل هذا المال؟

-سأشتري ملابس أنيقة لأغير عيار الزبائن ولأهيئ امتحانات الشفوي. سأجعل الأساتذة يجرون ورائي كالكلاب وسأحصل على النقط التي أريد. من أجل هذا سأشتري ملابسي من ”  كول”، المتجر الأنيق هناك بشارع ميشليفن. سأدخل رافعة رأسي إلى “أرميل”، متجر الأحذية الراقي بشارع “فال ولد عمير”. سأفقئ عيون البائعة الذميمة التي تنظر إليّ باحتقار كلما أطلت النظر في الواجهة الزجاجية اللامعة فيما تبتسم دائما في وجوه بنات أكدال الدلوعات، النحيفات، ملويات اللسان بسبب فرنسيتهن البغيضة.

لست أقل من بنات أكدال. كل أوراقي رابحة: طويلة القامة، ممتلئة، جميلة الوجه، مؤخرتي تطير عقل الرجال، نهداي ممتلئان ، يقفزان من الصحة والرغبة في لمسهما والآن سأصير أنيقة. سأرتدي أرقى الملابس وسأرتاد أرقى أمكنة العاصمة ولن تنتهي السنة قبل أن أحصل على كل ما أريد.

بفعل الثمالة كانت تضحك وتنفرج أسنانها ليبدو في لثتها فراغ. سألتها عن سر هذا الفراغ في فكها الأعلى فردت.

-فقدت ضرسين بسبب الويسكي مع محسن. تتذكرين؟ الحارس الشخصي لابن “الشنتو في” المقرب من القصر الملكي. كان يجبرني على الشرب يوميا وعلى التقاط صور خليعة لازال يهددني بها لحد الآن. علي أن أجد أجنبيا يخرجني من هذا البلد بسرعة!

– ربما كان من الأحسن أن تهتمي أولا بتبديل ضرسيك ، ستكونين أكثر أناقة هكذا!

– معك حق. سأذهب عند طبيب الأسنان “سمير الشرايبي” الذي كاد يرميني خارج عيادته حين سألته عن إمكانية سداد الفاتورة بالتقسيط.

لوت زينة لسانها ونطقت الراء والقاف بطريقة نطق أهل” فاس” وهو نطق مستهجن في مناطق” أبي الجعد” التي تنتمي إليها.

كنت أفكر بنساء هاته المناطق المعروفات بجمالهن الطبيعي الخشن ودفء أحضانهن، حين التفتت إلي سائلة بصدق:

-خاصك شي فلوس يا الحبيبة؟ هل تلزمك نقود عزيزتي؟

– لا ، شكرا، أريد فقط أن نبقى صديقتين !

ضحكت ضحكة هستيرية، طافت في أرجاء الغرفة وهي تغالب دموعا تتسابق إلى عينيها. ترنحت و نظرت إلي بعينيها العميقتين قبل أن ترتمي في أحضاني. أحسست جسدها الممتلئ بين ذراعي. غمرتني أنفاسها الممزوجة برائحة خمر جيد. قالت بصوتها الرقيق:

-أنت صديقة مخلصة، بل أنت أخت لي.

“لا أستطيع الكلام والبوح بما بداخلي، أحبها، رباه. ليس من حقي. أعشق جسدها الدافئ أندس فيه جسدا للرغبة والأمومة. هل ستفهم إذا قلت لها ذلك؟

ابتعدت دائما عن النساء بسبب رغباتي تلك في جسد امرأة، في جسد أم.

لماذا عيناك مطفأتان أمي ولماذا لم يكن لي نصيب منك؟”

التصقت بي أكثر ونادت أمها أكثر من مرة وأنشدت مع فاطنة بنت الحسين :

” بيك يا ميمتي طال عذابي

يا طريق الجرادي وافين كاتدي

أمي الحبيبة واش كان سبابي

ابابا ابابا الهدية جات يا بابا

سير اقلبي الناس ناعسة يا سيدي وأنا نجري ونبري”  .

بكينا معا فلا شيء يبكيني غير أغانينا الشعبية عن الأم. هي العناصر الأكثر ميلودراما من ثقافتنا الشعبية. أغانينا عن الأم هي أكثر ما يكشف روحنا المغربية ورغبتها في الأنين والشكوى الدائمة قبل أن تأتي الغربة بكل شجنها العارم.

لماذا حب الأم مسكون بكل هذا الشجن عندنا؟

كان الكحل في عينيها قد ساح تماما واصطبغت وجنتاها بأسود عميق زادها جمالا.

مسحت عينيها بطرف قميصها الأسود الموسلين الشفاف. قامت مترنحة. أسقطت رزمة كتب ثورية بعثها لي الرفاق من فاس. حاولت إعادتها إلى مكانها لكنها انبطحت أرضا وقرفصت كبدوية.استندت بظهرها إلى الحائط. في قرفصتها تلك كانت تشبه النساء في قريتي حين يقرفصن للبكاء والنواح على ميت عزيز .

شعرها الأسود الكثيف يخفي نصف وجهها. تزيح الخصلات بأصابعها البيضاء الرقيقة المنتهية بأظافر زجاجية مطلية بطلاء أبيض. فكرت أن ذوقها راق في كل شيء. أزاحت خصلات متمردة مرة أخرى برقة.

أحاطت وجهها المدور الجميل بيديها الرطبتين فيما تدلت شفتها كما يليق ببنت مدللة!

نظرت إلي بعينيها العميقتين وقد زادهما الماسكارا و الخمرة عمقا وسحرا.

لماذا تصير المرأة أكثر سحرا وعمقا وهي مخمورة؟

أغلقت النافذة دون سابق إنذار وصاحت:

-سأنام الآن، صادق يريدني هذا المساء أيضا.

-يبدو أنه مغرم!

عادت بعد صلاة الفجر في الغد. أدت صلاتها كما تفعل دائما إذا لم تكن مخمورة . أيقظتني وهي تقفز من الفرح.

-يريدني أن أرحل معه .

-كيف؟

– زواج متعة يا عزيزتي!

– ما هذا الزواج؟

– زواج بعقد ومدة صلاحية وتعويض كبير .

– دعا……….

لم أكمل الجملة لأن هذا ما تفعله فعلا منذ سن الخامسة عشر بل وما قبلها. منذ الطفولة، كان الجسد الصغير لليتيمة ابنة خادمة البيوت مشرعا لفتيان الحارة وأبناء المستخدمين. تعلمت منذ صغرها أن تبيع خدمات هذا الجسد المرغوب فيه . منذ القبلة الأولى حتى الآن ظلت تبيع خدماتها. لم تبحث عن الحب يوما. الغريب أن لها طموحات في الدراسة وهذا ما يجعلها تتابع دراستها في كلية الآداب بشعبة الدراسات الإسلامية .

كنت شاردة حين نهرتني بحدة.

-لماذا تنظرين إليّ هكذا؟

لا أعرف بماذا أجيبها. أخاف أن تكون قد شكت في مشاعري . كنت دائما أخاف ردود فعلها النزقة كلما نصحتها الصديقات بالإقلاع عن ما تفعله.

آخر مرة أجابت أمينة بعنف ظاهر.

– اتركيني و شأني فأنا زينة الحياة الدنيا !

لم أكن أنصحها. كنت فقط أراقبها وهي تقود حياتها بكل جنون ولهذا سألتها بكل حياد.

– هل ستوافقين؟

-وهل هذه فرصة ترفض؟

غادرت زينة الرباط في ظرف أقل من شهر ولم أعد أسمع عنها إلى أن التقيت هنية في مقهى باليما برفقة جيوفاني، زوجها الايطالي الذي تجاوز الخمسين سنة. يشتغل مهندسا بالقصر الملكي. مكن هذا هنية من تغيير معارفها والاحتكاك ب “الهاي كلاس”.

سقطت على قفاي من الضحك وأنا  أستمع إليها تتحدث بفرنسية متلعثمة. كانت فخورة وهي تخبرني أنها تتعلم الفرنسية في “لاميكال فرانكو مار وكين”.

هنية قصة غريبة في حياتي. تعرفت إليها أيام” أمنيزيا” و ليالي الرقص حتى الصباح . كانت جنية الحلبة. تجيد كل أنواع الرقص. لا أعرف ما الذي قادني إلى التعرف إليها وأنا طالبة جامعية وهي فتاة ليل.

في ” أمنيزيا” كنا نفقد الذاكرة: ذاكرة الجسد المقموع والمنفي عن نفسه بفعل واجباتنا الأسرية. كنا نسلمه للموسيقى بدون خوف من الخطر القابع خارج المرقص. نرقص ونرقص على أمل أن تنتهي الليلة في فراش دافئ.

حين كانت هنية تدخل إلى المرقص، كان الجميع يفسح لها الطريق: هي سيدة الليل، سيدة المرقص بخطواتها الرشيقة.

كراقصة محترفة كانت تؤدي وصلات “الديسكو” ،”الروك” ،” الصالصا” و”الفلامنغو”.

بعد وصلة ساخنة من رقص شرقي محموم، تقدم جيوفاني ليطلب يدها أمام الجميع. وافقت على الفور فقد كان هذا الايطالي الخمسيني مراد ومبتغى نصف بنات العاصمة لثروته وقوة نفوذه ومعارفه.

هذه البدوية القادمة من المشامش بضواحي ابن احمد كخادمة في البيوت، استطاعت في ظرف سنوات قليلة من ليالي الرباط أن تصبح مالكة شقة فاخرة في عمارة السعادة بمركز المدينة ناهيك عن الأرض الفلاحية التي استصلحتها لانجاز مزرعة.

كنا في طريقنا إلى الطنجاوي لحساء الصباح وهو طقس لم نتخل عنه مند أيام الدراسة حينها سألت هنية عن زينة.

صاحت وهي تغالب النعاس:

-زينة الحياة الدنيا ؟ إنها بخير، عقبالك ! تستعد للرحيل مرة أخرى. هذه المرة إلى الإمارات كزوجة شيخ بشحمه ولحمه. الثمن 300 مليون وشقة في حي الرياض. سأجن لأنني أحلم أنا أيضا بشقة في ذلك الحي لكن العجوز وكانت تقصد جيوفاني لا يريد. يرى أن الحي بعيد جدا عن المركز.

أنهينا الليلة عند خليل في فيلا فخمة بشاطئ الهرهورة. تعرفت على زفيطلانا، زوجته الروسية الفاتنة. عاد بها من الاتحاد السوفيتي حيث ذهب لاستكمال دراسته في الفيزياء النووية. قال إنه توقف عن الدراسة واحترف التجارة .

همست هنية في أذني.

– لا أعرف إلا نوعين من التجارة لامتلاك كل هذا المال: القوادة وتجارة الأسلحة!

انتبهت زفيطلانا إلى حديثنا الهامس فاستدركت هنية.

– ذوقك هائل زفيطلانا. أنت وخليل زوج رائع!

افترقنا بعد مطلع الفجر و اتفقت مع هنية على الالتقاء في مدخل عمارة زينة. في الغد، وجدتها بانتظاري. ركبنا المصعد حتى الطابق الرابع حيث كانت سيدة متحجبة في انتظارنا بمدخل الشقة رقم 12.

قفزت إلى ذراعي وهي تضمني بكل قوة:

-مرحبا، مرحبا بأختي. الحمد لله أنني سأراك قبل أن أرحل.

سلمت على زينة. لم أصدق أذني حين خاطبتها هنية” بالحاجة”. أحست باستغرابي فأسرعت للقول:

-أجل، أجل . قمت بالفريضة في السنة الماضية . ومنذئذ وأنا متحجبة واتبع الصراط المستقيم.

– حدثيني، كيف حدث لقاؤك مع زوجك الجديد ؟

-في بيت زوجي الأول. إنه  أعز أصدقائه. لا ضرر في ذلك مادامت مدة العقد مع زوجي الأول قد انتهت ومادام كل شيء حلال. زوجي تزوج عرفيا ابنة خالتي سلوى. هل تذكرينها ؟

-أجل، كانت طفلة.

قلت ذلك وأنا أحاول إخفاء امتعاضي فزوج زينة الأول قد جاوز الستين.

– لم تعد طفلة. عمرها ستة عشر عاما الآن. إنها من مواليد 1984.

والداها طارا من الفرحة. صادق دفع فيها ضعف ما دفع لي. كانت عذراء وفاتنة. دعك من هذا. حدثيني عنك. ألازلت تدرسين ؟ كم مرتبك الآن؟

تلعثمت وفقدت كل قدرة على الرد. أنقذتني من اطلاعها على أحوالي الرثة كموظفة.

– دعك من هذا. لم نختر نفس الطريق.

دخلت غرفة نومها وعادت بشيء ملفوف في ورق هدايا. مدته إلي بلطف:

– ادخرت لك عطرا فاخرا، “شاليمار”، هل جربته عزيزتي؟

همهمت وأنا أمد يدي إلى طبق الحلوى اللذيذة.

– ليس بعد. كنت سأجربه طبعا بعد الترقية القادمة يا يا زينة، أقصد، يا زينة الحياة الدنيا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*