الرئيسية | سرديات | سحر المساء | مصطفى لغتيري
مصطفى لغتيري

سحر المساء | مصطفى لغتيري

مصطفى لغتيري  (المغرب):

 

   كانوا ثلاثة ورابعهم البحر، اجتذبهم سحر المساء نحو الشاطئ, في قلب كل منهم أمنية، توشك على التحقق. ليست هذه الأمنية سوى احتضان أعينهم لمشهد احتجاب الشمس. قدروا أن لحظة الغياب لا تضاهى. الاحمرار الناضح من تلابيب القرص حين يوشك على الرحيل, ألهب عواطفهم, فصمموا على المشاهدة..في انتظار اللحظة الموعودة، تجاذبوا أطراف الحديث. البحر – بطريقته – يشاركهم لعبة الانتظار.. باستمرار يبعث نسائم تذكي في نفوسهم نشوة التوقع.. الشاطئ فارغ, موحش.. وحده صوت انكسار الموج يلعلع في الأجواء.. في أوقات متقاربة, يرسل كل منهم بصرة في اتجاه الأفق البعيد، يستبطئ الشمس المستقرة في عليائها.. أشعتها لا تزل تحتفظ ببعض العنفوان.. كلما تطلعوا نحوها تعشي أبصارهم. فلم يكن بد – حينئذ – من تفاديها.
فجأة أثار أحدهم انتباه رفيقه إلى شيء ما يتقاذفه الموج.. من موقعهم على الشاطئ، يلوح ككتلة سوداء مطموسة المعالم.
– أنظر في هذا الاتجاه، هناك شيء ما في أعماق البحر.
رد أحد مرافقيه :
– قد يكون إحدى علامات شباك الصيد.
رمقه بنظرة متشككة، ثم عقب مجادلا.
– لا, لا يمكن ذلك.. إنه – باستمرار – يغير مكانه.
سيماء الانتباه تربعت على وجوههم، لم يسعفهم تمددهم على الرؤية الواضحة. هبوا واقفين، اقتربوا من المياه. أعناقهم اشرأبت نحو الجسم الطافي, محاولين اكتناه سره، أعينهم لا تبارحه. بدا لهم يدنو تدريجيا من الشاطئ كلما تقدم نحوهم, كبر حجمه. تأجج الفضول في أعماقهم. ألسنتهم داهمها الخرس. فقط عيونهم جحظت، وهي ترنو إلى البعيد، احتمالات شتى انتبهت أذهانهم. بعد لحظات من الصمت, اقترح أحدهم.
– لم لا يتطوع أحدنا لاجتلاء الأمر ؟
أجاب الآخر :
– وما يدرينا أن الأمر يستحق.
قال ثالثهم : ما علينا إلا الانتظار.
في تلك الأثناء لاحظوا أن الجسم الطافي ينحرف نحو اليسار. انجذبوا نحوه. أقدامهم تحركت في اتجاهه. قوة غامضة فرضت سطوتها عليهم، فتقلص العالم من حولهم. أضحى – حينها – نقطة واحدة, تحتضنها أبصارهم.
تدخل أول من وقع بصره على الجسم :
– يبدو انه صندوق .
عقب أحد مرافقيه : – إنه يتحرك ببطء . ربما يكون ممتلئا.
كلمة ” ممتلئ ” رانت بثقلها على عقولهم، انتعشت مخيلاتهم، فارتسمت في أعماق كل منهم صور تستكنه أعماق الصندوق.
في غفلة منهم، تسلل غبش أول الليل، الرؤية أضحت ضبابية، شيئا فشيئا ابتلعت الظلمة جزءا من الجسم، أصبحوا بصعوبة يقتفون أثره. صاح أحدهم :
– لم أعد أرى شيئا .
قال أول من رأى : – دقق النظر، إنه يكاد يصل فقط يحتاج دفعة قوية .
حاول الذي وهن بصره أن يمعن النظر، عله يرى شيئا، وحين خاب سعيه، تعلق برفيقه، محاولا الرؤية من خلاله.

عيل صبر الرفيق الثالث، فتساءل :
– لم لا يتقدم ؟ يبدو أنه عالق.
قبل أن يحير صاحبه جوابا، انبثقت موجة كبيرة من ثنايا المارد الأزرق، الذي يبدو أنه استمرأ لعبتهم, فشاركهم فيها.. طوحت الموجة بالجسم نحو الشاطئ.. حثيثا هرعوا نحوه. غاصت أقدامهم في المياه فتبللت بعض ملابسهم..حين أشرفوا عليه استلقت علامات الخيبة على سحناتهم، لم يكن الجسم سوى برميل تافه.. بعد جهد جهيد فتحوا سدادته. تدفق من أحشائه سائل أسود, يبدو أنه زيت محروق. تبادلوا النظر في ما بينهم، ثم تقهقروا نحو الرمال اليابسة.. حينئذ تذكروا بحسرة منظر الغروب الذي فاتهم.التزموا الصمت برهة من الزمن. وبشكل مفاجئ انفجرت من أعماقهم قهقهات قوية. امتزجت بهدير موجة انكسرت على الشاطئ. بعد هنيهة انكبتت ضحكاتهم. لاذوا بالصمت من جديد، وهم يتسللون في جنح الظلام، مغادرين البحر. تصاحبهم أنفاس ندية. تخالطها أصوات أمواج شاردة. ما فتئت تتلاشى، حتى أضحت مجرد وشوشة، فاستقرت – إلى حين – في مسامعهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*