الرئيسية | أدب وفن | سرد في نسيج الحجر.. تأملات في طبعات الأيدي القديمة | محمد سمير عبد السلام
02a

سرد في نسيج الحجر.. تأملات في طبعات الأيدي القديمة | محمد سمير عبد السلام

محمد سمير عبد السلام (مصر):

 

 

محمد سمير عبد السلامتعد طبعات الأيدي Hand Prints الموجودة ضمن رسوم الكهوف القديمة، علامة جمالية، يمكننا من خلالها أن نعيد قراءة البدايات الملتبسة للفن، في اتصالها السري بنشوء المجتمع، والثقافة، والإبداع، والحضارة، والعالم الداخلي للإنسان؛ فهي خطوة متطورة باتجاه البصمة الإنسانية المقدسة بجوار الطوطم الحيواني القديم؛ مثل الثور، والحصان، والفيل.

إن هذه الطبعات تؤكد الحضور القوي للإنسان، ممزوجا بلحظات رعب أصيلة تكمن في انقطاع الأثر عن التكوين، وكأنه يناهض الموت من داخل مخاوفه المتكررة. الأيدي تقاوم الموت، وتستشرفه ضمن بنيتها الخاصة؛ فهي الأثر الجمالي للتكوين، أو للطاقة الإبداعية المتجاوزة للتجسد من خلاله.

وتشير موسوعة أول آرت All-Art.org إلى الدلالات الطقسية، والرغبة في الامتلاك في علامة الأيدي، كما تذكر انتشارها في كهوف مختلفة في فرنسا، وأسبانيا، وغيرهما.*

وأرى أن أهمية هذه العلامة الإشكالية تنبع من أمرين :

 

الأول : تأويلي، وينشأ من الالتباس، والتناقض، وغياب الفاعل المحدد رغم تأكيد الحضور الإنساني؛ مما يستدعي تأويلات جمالية مفتوحة لهذا الانتشار الجمالي المعقد للعلامة؛ فهي تجمع بين التكرار، والاختلاف الجزئي، والتنامي الزماني، والمكاني للأثر، وأطيافه المتكررة في تاريخ الفن، وما بعد نظرية الفن أيضا.

02aالثاني : جمالي، وفيه تلتقي البدايات الفنية، من حيث هي مجموعة من الأشكال المتداخلة، والارتباطات المركبة بين مكونات الوعي، والحياة البيولوجية، والاجتماعية، والطقوس دون انفصال ؛ مما يدل على ولوج الفن لبنية الوجود نفسها دون تمييز ثقافي بينهما، وسنرى أن هذه التداخلات المجازية، والمعرفية قد عادت في سياق تفاعلات حرة تتجاوز البنى المستقلة للذات، والإطار فيما بعد الحداثة، ولكن في اتجاه الوعي بتفكيك المركز، وقراءة الفن في تجارب الحياة اليومية، والمواد الجاهزة كما هوعند دوشامب، وراوشنبرج، وغيرهما.

وأرى أن طبعات الأيدي حملت دلالات الرغبة في الخلود، والفرح بالوجود التخيلي الأول بينما تتجه الفنون المعاصرة إلى إحداث تفاعلات لعبية واعية تتجزأ فيها الخبرات الإنسانية، والمادية، والثقافية في عمل فني يتجاوز بنيته الخاصة دائما.

ويمكننا أن نؤول علامة الأيدي في مسارات عديدة، ومحتملة تؤكد بروزها الفريد، وتواترها بين أطياف المجموع، والنتاج الجمالي للوجود.

* فرح الحياة /

إن انفتاح الكف يجسد تجدد طاقة الحياة المجردة، دون نهاية ؛ فهوإعلان صارخ عن وجود متكرر مرح، ولكنه مقطوع أيضا، ويحتمل الموت في صورة معلقة. الموت لا يكتمل هنا أبدا ؛ إذ يقع في صيرورة ديناميكية انتشارية تشبه الحياة نفسها. الموت جزء من وهج إبداعي يقاوم مدلوله كعدم، أوظلمة.

  • بعث الطاقة الكونية /

اليد تتحد بقوة الحجر، فتكتسب حضورا كونيا، وهي أيضا صوت المادة، وطيفها المتحرر من صلابة الصمت. إنه سرد في نسيج الحجر، يؤكد مقاومة الموت، والخصوصية الكونية المتجددة للتكوين الجمالي للإنسان في اتحاده الخفي بطاقة العناصر.

  • بنية المجموع /

مجموع القبيلة في طبعات الأيدي أقرب إلى النزعة الإنسانية ؛ فبصمات النساء، والأطفال حاضرة بقوة، ويغيب عنها الحيوان الضخم، وكأنها تجسد قوة القبيلة كمجاز إنساني يمتد في الماضي، والمستقبل، ويستشرف انتشار الحضارة، وتراكمها.

  • العمل الإبداعي /

indexتشير اليد دائما إلى العمل، وخاصة العمل الإبداعي، وهي هنا تجمع بين الأداة، والموضوع، وكأنها إبداع مضاعف. الأيدي موضوع رئيسي، وجمالي في الحضارة البشرية ؛ فقد تفاعلت مع الحجر، والنار، والمحصول، وغيرها. إنها طاقة الحياة اليومية، والفنية أيضا، وهي النشوء المتكرر في مواجهة تاريخ الدم، والفناء.

وسنلاحظ الامتداد السحري لليد اليوم في تكنولوجيا الكمبيوتر، والبرامج ؛ إذ نتعامل معها الآن بشكل يومي عند فتح روابط الإنترنت، وملفات الكمبيوتر، وبرامج القراءة الإلكترونية، وغيرها. لقد انفلتت اليد من لحظة الفرح بالجمال الأولى حتى اختلط تكوينها الفريد بالمعرفة المتجددة، واتساع الوعي الآن.

 

* والصورة منشورة على الموقع نفسه في سياق فنون ما قبل التاريخ على الرابط :

http://www.all-art.org/history16.html

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*