الرئيسية | سرديات | سمراء تجلس في الشرفة | نهى محمود
نهى محمو

سمراء تجلس في الشرفة | نهى محمود

نهى محمود  (مصر):

 

السيدة السمراء ذات الثدي الواحد، والكثير من حيل الحب، تركت زوجها الأخير وغادرت لبيت ابنتها في البلدة البعيدة المطلة على البحر، حيث يعمل نصف السكان في صيد السمك.

تجدها الآن هناك، كلما مررت جوار البيت المتهالك، تجلس فى الشرفة معظم النهار، قبل أن تنزل لتمشية قدميها على البحر وقت غروب الشمس.

تمشى كأن الزمن لم يفعل فعلته معها، ربما امتلأ جسدها قليلا، عدة أرطال نحتت نحافتها، وزادت سمرتها لمعانًا وغواية.

هي أرملة» أبو حسن”، ومن لا يعرف الرجل فاتته نصف حكايات الشهامة على الأرض، لم تكن له مهنة محددة، كان لديه حانوت مكتوب على واجهته»أعمال وتجارة أبو حسن” لكنه منذ افتتحه- قبل زمن بعيد- لم ير أحد شيئًا يباع أو يشترى، صحيح أنه يمتلئ بالناس، وأصحاب المصالح، وتتم به معاملات واتفاقات، هنا كان يتقاضى أموالا كثيرة، من يده ليد تلك السمراء التي تقول الحكايات إنه تزوجها غصب، اعترض طريقها وهى عائدة من المدرسة التجارية، وقال لها أن تبلغ أباها انه سيجيء فى المساء ومعه المأذون والشهود، قالها هكذا، ثم ختم جملته بـ”مبروك يا عروسة”.

كانت تعيش مع أبيها عامل النظافة وأمها التي تبيع الأقمشة للنساء وسبعة إخوة غيرها في حجرة واحدة، نقلها أبو حسن لبيت كبير حتى إنه اشترى لها صالونا مذهبًا، وهو دليل على الفخامة في ذلك الزمن.

لم تكرهه، لكنها أيضا لم تحبه، كانت مشاعرها نحوه محايدة،

ظلت هكذا زمنا، أنجبت له سومة، وحين أنجبت حسن، انتقلت من خانة الحياد، للكراهية، لا تعرف سببًا لذلك لكنها كانت تشمئز منه بعدما أنجبت الولد، طلبت منه أن ينتقل فى حجرة نوم أخرى بالبيت، حتى يشد الولد عوده، لكن الحكايات تقول إنها لم تمنحه نفسها مرة أخرى أبدًا، ورفضت أن يجمعهما فراش.

هو لم يكن يشعر بأي ضغينة، ولم يتحدث في الأمر مع أحد أبدًا، وظل يحبها، ويمنحها كل ما يكسب من أعماله.

كانت مولعة بالمشغولات الذهبية، كان يشترى لها الكثير، وهى كانت تقول له»إن الذهب للزمن، وحتى لا أحتاج أنا والولاد من بعدك”.

كان أبو حسن يخرج في الصباح، ويذهب لمحله، يتجمع هناك صبيانه، يحدد وجهتهم، ويخرج مع بعضهم في المكان الذي يراه أكثر خطورة ويحتاج لجرأة أكثر، وكان دائما يُطمئن من يعملون معه»أن الله سيسترها معهم، لأنهم يعيدون الحقوق لأصحابها”، كان يتفاخر كثيرًا بحكاياته وبطولاته، يحكى في ساعات الصفا لصبيانه ولحسن وسومة، أبنائه، عن الرجل الذي دفع شقا عمره وسنين غربته ثمنا لبيت، وعندما عاد من السفر وجد المالك قد باعه لأكثر من مشترٍ، يحكى لهما،  اشتريت باب حديد ووضعته على الباب الخشبي، ووقفت أمامه وأشهرت ساطورًا كبيرًا كان بيدي، وأدخلت صاحب الحق بيته، ويحكى عن الأموال التي أجبر ناس على سدادها لمستحقيها.

أبو حسن الذي عاد ذات يوم لبيته ونادى سومة ابنته التي تشبه أمها في سمارها وحلاوتها، لكن لها قلب أبو حسن، جدعة وطيبة ولا تحب الظلم، ناداها وكانت ابنة خمسة عشر عاما وسألها كيف تراه؟ وهل بالفعل وجهه يخيف الأطفال كما قالت له سيدة اليوم في مشادة واختلاف على حساب بينهما؟ استغربت البنت وقالت له إنه جميل ويشبه»البدر في السما”، ابتسم وقبلها، وصدق أنه يشبه البدر فى السماء، وكان دائمًا ما يحكى ذلك قائلا إن ابنته تقول إنه جميل ويشبه البدر في السما،  لكن تبقى حكاياته الأثيرة التي يحكيها ثم يتحسر على الرجولة وأيامها، يوم جاءه رجل يبكى»يحكى الحكاية هكذا.. يقول لك يبكى مثل النساء، ويقول لي إنه وقع في عرضي ويتوسل لأنقذه، يتوسل لمروءتي، ويقول إن شرفه أهين، ويقدم لي خمسة آلاف جنيه ويخبرني أنه سيمنحني مثلها عندما أعيد له زوجته”.

 أنا ظننت أنها تعرضت للخطف، لكن الرجل يقول إنها هجرته وعاشت مع رجل آخر، وإنه لا يعرف مكانهما بالضبط، لكنه يعرف المنطقة.

وبعد أيام قليلة، توصلت لكل شيء، أخذت معي نصف رجالي، وقلت لهم إننا نتحرك لأجل شرف الرجل، وأخذته معنا لأنه أحق بأن يغسل كرامته بيده.

دخلنا الشقة، ولففتها بعباءة سوداء، وأوسعنا الرجل الآخر ضربا، وعندما خرجت بها ناولتها لزوجها.. ناولته الفاجرة وقلت له اغسل عارك.

من ناحيته هو عندما رآها قادمة، قبل يدها وحضنها وقال لها إنه اشتاقها جدًا، وعاتبها بخنوع أنها هجرته، وأخرج من جيبه خلخال ذهب، وخر عند قدميها يبكى.

عندما فاق من حالته تلك، نهض ونفض التراب عن بذلته، ونظر نحوها بتوسل وهو يفتح باب سيارته الفارهة ويرجوها أن تدخل، من ناحيتها توجهت نحو السيارة وقالت له إنها ستحاسبه عندما تعود للبيت على هذه الفضائح التي تسبب بها.

عندما دخلت السيارة لف واتجه نحوى وناولني مظروفًا بباقي المبلغ.

يصمت لحظة ويقول، يا حسرة على الرجال، تناولت منه المبلغ ورميته فى وجهها داخل السيارة، وسببته، ثم أخذت رجالي ومضيت.

 تزوج من السمراء وأحبها، لكن الزمن غدار، وقع الرجل ذات يوم، وسكن جسده المرض، واحتاج علاجا طويلا وباع المحل، ورفضت السمراء بيع أي قطعة من ذهبها، الذي ستبيعه تباعا طوال السنوات المقبلة للإنفاق على الرجال الأصغر سنا، التي تتزوجهم بعقود عرفية ودون إعلان.

حتى عندما جاءها»المرض الوِحِش” كما نسميه تفاديا للشؤم، استأصلت ثديها الأيمن، وخضعت للعلاج الكيماوي.

كقوادة قديرة، لم ينل من عزمها ورغبتها في الحياة شيء، ومرت أزمة مرضها، وتزوجت بعدها بشهور قليلة، رجلها الأخير ذلك الذي قالت وهى تحكى عنه، كأنني لم أتزوج من قبل، كأني لم أعرف رجالا في حياتي، كلفتها هذه الزيجة الكثير، وعندما هجرها ليتزوج بفتاة صغيرة في مثل سنه، لم تحتمل الهجر، ولملمت ملابسها وغادرت لبيت ابنتها، ربما تنسى تلك الطعنة.

السمراء ذات الثدي الواحد تراها هناك، تجلس في الشرفة معظم النهار، قبل أن تخرج للتمشية على البحر وقت الغروب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*