الرئيسية | سرديات | قراءة في قصة “هنا القاهرة” للكاتب والقاص محمد عثمان الفندي | محيي الدين إبراهيم إسماعيل
السرد

قراءة في قصة “هنا القاهرة” للكاتب والقاص محمد عثمان الفندي | محيي الدين إبراهيم إسماعيل

محيي الدين إبراهيم إسماعيل:

 

محمد عثمان فندي .. قاص من نوع خاص .. في قصته ( هنا القاهرة ) هو يعي تماماً الفرق بين السرد والقصة والرواية والحكاية، يعي تماماً أن لكل فن منهم قالب لا يخرج عنه، وأن أي خلل في تركيب فن داخل قالب فن آخر هو الفوضى بعينها ومن ثم فقد آمن بالقالب القصصي وقام بتصميم تصور يحمل بصمته وهو التصور الواقعي ودراما الناس من وجهة نظره بعيداً عن اجترار حياته الشخصية وانطباعاته الشخصية النفسية وهنا تكمن وظيفية العمل الإبداعي لدى محمد عثمان فندي.

يبدأ ( فندي ) قصته بأن يأخذك بكاميرا خياله لتتفقد معه الزمان والمكان بشكل مباشر جمالي يدفعك فيه أن تتآلف مع واقع يراه هو لتراه معه بالفعل ، ولما كانت القصة – أي قصة – هي خليط من الواقع والفانتازيا شرط توافر الديناميكية والحركة فقد ظل ( فندي ) يتحرك بالكاميرا من أول سطر ليظهر الحالة العامة حيث وصف بدقة النهار الداخلي في غرفة نومه وبعض الفوضى الموجودة بها ثم وصف شكله وملبسه، قام بوصف كل شئ بدقة واختصار حتى أنك لتظن أنها حالتك أنت وليست حالة البطل القائم بالشخصية الدرامية التي يقصها القاص وهي مسألة ذكية دلت على مدى قدرة القاص على ابتداع تمهيدات ( حبكته الدرامية ) ليدفع مشاعر القارئ ووجدانه لقبول العمل كما لو كان واقعاً حقيقياً يحياه.

لقد اختار ( فندي ) قصته ( هنا القاهرة ) من مجتمع المدينة المزدحم ، اختارها من بين ملايين القصص التي نراها كل يوم من حولنا ولا نعيرها أي انتباه لكنه يعيرها بلاشك كل الانتباه ثم يختار منها كما يختار الصائغ أثمن فصوص ماساته ليقدمها لنا في عرض رائع يحمل كل خبراته في نفوس البشر وعلاقاتهم النفسية ببعضهم البعض ببساطة ورقة وانسيابية، والمدهش أنه لا يتوغل في التفاصيل والمنمنمات ولكنه مع ذلك لايهملها أو يتحاشاها بل يوحي لك ليستفز خيالك كقارئ لتراها بروحك فتكتمل المتعة عندك وهو نوع آخر من ذكاء القاص في دفع القارئ للمشاركة في صناعة جزء مما يقرأة.

احمد ومنى عروسان في صباح ليلة زفافهما .. حكاية بالنسبة للكثيرين أو الغالبية منا هي حكاية عادية لا تخرج عن نطاق كيف مارسا الجنس في ليلتهما الأولى وكيف أصبحا، وكيف كانت ردة فعلهما مع كل ما صاحب ذلك من احداث نفسية، لكن القاص هنا يبتعد تماماً عن هذه ( التابوهات )، يبتعد عن الصورة النمطية عن ليلة الزفاف الأولى في حياة الناس ويظهر لنا بعداً نفسياً آخر أكثر سمواً من الغرائز، يظهر لنا قيمة التواصل الإنساني وامتداده بين حبيبان يرى كل منهما أن البداية تبدأ من هنا، تبدأ من وجود كل منهما بجوار الآخر، مع الآخر، في وجود الآخر، وربما أعجبتني الجملة التي يكرر فيها ( فندي ) على لسان بطل العرض مقولته حول زوجته الشابة الجميلة المثيرة التي تنام بجواره ولم يمارس معها الجنس حتى تلك اللحظة، أعجبتني عبارة:

موجودة، نايمة بس موجودة، هي موجودة، بس نايمة، نايمة شوية، هاتصحى بس موجودة!

عبارة رائعة توضح مدى أهمية أن يكون الإنسان موجوداً بقرب من يحب ليمارسا الحياة والحلم معاً، ليحققا الحياة والحلم معاً، الجنس مجرد صورة من صور الحياة المتعددة، الجنس لم يكن ولن يكون وحده الصورة الوحيدة للحب والقرب والمؤانسة، الجنس سيحدث ولكن الأهم من حدوثه الآن أن يحدث الوجود، احساس الحرية حين تكون مشاعرك سقفها السماء لا يقيدها قيد قاسي وفي نفس الوقت ليست عرضة للانحلال وهو ما عبر عنه في أول القصة بعبارة:

رابطة العنق مفتوحة قليلًا، فعلًا، لكنها ما تزال معقودة، عقدة خفيفة، عقدة تبعد عن عنقه مسافة شبر، لم تفك، عقدة منعت نسبيًّا كل شيء من أن يزاح أو يحل!

قصة ( هنا القاهرة ) قصة تستحق القراءة فهي ناعمة، حرة، منضبطة، تستخدم قالب القصة ببصمة محمد عثمان فندي الذي جعل كل تصور فيها كأنه عزف أنيق على أوتار المشاعر والوجدان، وجعل فيها من نفسه قاص بارع له أسلوب يستحق الإشادة والتقدير.

هو كاتب ( ديناميكي )، يمتلئ بالحركة، يجعل القارئ يقفز، وكل ذلك أصبح شبه نادر اليوم. محمد عثمان الفندي كاتب مبدع وراق ومنضبط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*