الرئيسية | سياسة | لماذا تفشل الثورات؟
ميلاد-سليمان-660x330

لماذا تفشل الثورات؟

ميلاد سليمان:

النجاح والفشل ، من الكلمات الفضفاضة الغير مؤطرة  لموضوعها ، بالتالي يصعب القياس عليها في أي مجال، ولكن “وضِعت” بعض المعايير في الفعل السياسي، لتسهل هذه العملية، لتتحول المعاير إلى مقاييس وإحصائيات ، بل ومشاريع منفذة على الأرض، توضح الاقتراب والإبتعاد ، لأي نظام حاكم  تجاه النجاح أو الفشل.

الثورات العربية ، أو ما عرف بإسم “الربيع العربي”؛ لم يجنِ منه شعوبه –حتى الآن ومنذ قيامه – سوى ثقب ضيق صغير لتنفس الحرية، ومعه أيضًا الخراب والدماء والنعرات الطائفية والعنصرية والدينية في ذيله. فلا يوجد بلد (ربيعي) – إن جاز التعبير- نهض وقام بدوره المنوط به تنويريًا وثوريًا منذ 2011 وحتى الآن ، ولكن أثناء كتابة هذه السطور – في نهاية عام 2014 – هناك بادرة أمل تونسية (حزب نداء تونس) تلوح من بعيد.

والسؤال هو؛ حسب قراءتنا ، ما الذي ينقص الشعوب العربية، ومصر خاصة، لتقوم بثورة ناجحة!؟. هذا السؤال الذي سعى مئات المفكرين ، على طوال سنين ، في بلدان عربية شرقية مختلفة للإجابة عليه، حينما ظهر بصياغة مختلفة ، أول مرّة  مع شكيب أرسلان في كتابه “” حينما قال “لماذا تخلَّف المسلمون.. بينما تقدم غيرهم!؟”. وهنا وجب التنبيه أننا  لا نتحدث عن ثورة إسلامية دينية، لا سمح الله بها، ولكن بحكم الثقافة المسيطرة على المناخ العام لأغلب البلدان التي قامت بالفعل الثوري.

ربما أهم ما ينقص بيئتنا المصرية ، من مقومات الفعل الثوري ، هو الفكر النقدي ، سواء للأنا أو للآخر ، حيث يظل التقديس للأفكار والأشخاص ، هو المسيطر على كلا الجانبين، السلطة والمعارضة . هناك رموز وقامات وشخوص ، وجب عدم الإقتراب منهم ومن أفعالهم ، إلا وأنت تنظر في الأرض حاني الجبهة ، وكأن لا يداخلهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم. كذلك صاحب المنصب العالي، لا ينتقد أفعاله، بل يعتبر نفسه ظل الإله على الأرض ، ومنهل الحكمة ، ورأس الهرم ، والنجم القطبي الذي يهتدى بنوره السائرون..

وبجوار عدم نقد هاتيّن الفئتيّن (السلطة والمعارضة) لبعضيهما و لذاتيهما ، هناك مبدأ عدم نقد الشعب لنفسه،فإن كان الشعب ليس كيانا معروفا واضح المعالم يمكن مخاطبته ككل ، باعتباره نسيجا متشّعبا متلونا متداخلا ، في طبقات وشرائح مجتمعية مختلفة ، ولكن على كافتهم ، يظل التغييب هو الحاكم الأول للسياق في الشارع  المصري ، ويتم هذا من خلال عدة مستويات ؛(الأسرة، التعليم، الإعلام)، في كل واحد من هذه المجالات لا يوجد أي وضوح أو شفافية أو موضوعية أو حياد . الوالدان في الأسرة – للأسف – يورثون أبناءهما الجهل والخوف والمرض و التقديس ، والتعليم نمطي متكلِّس لم يتم النظر في مناهجه منذ عقود والقائمون عليه من وزارات وإدارات تفتقد الخبرة والتطوير وحسن الإدارة   والإعلام الحكومي موّجه غير مهني أو تنويري  هدفه إنشاء جيل جديد من مقدسي النظام ورجاله.

ولا ننسى تقديس الخرافات والركون للدين ، كحل سحري ، وأحد أهم مبادئ فشل العمل التنويري ، حيث يظل رجل الدين، سواء المسيحي أو المسلم، هو المُلهَم والمُلهِم ، بفتح وكسر حرف الهاء وضم الميم ، الذي وجب استشارته في كل كبيرة وصغيرة ، في الحياة العامة والخاصة ، من أول المشاركة في العمل السياسي الحزبي أو الحركي ، وحتى إذن النزول للانتخابات والاستفتاءات والمسيرات والوقفات الصامتة حتى البوسطاط والمشاركات والكتابات على الفضاء الإلكتروني!!؟. ويظل للفكر الخرافي سطوته في تغليف كل فعل ، على أن هناك قوة ما ، تقوم بفعله بما لها من حكمة، تفسر في النهاية انتظارا لخير مرجو أو اتقاءً لشر محتوم

وأخيرًا ، عدم وضوح الرؤية الثورية ، أهم مأخذ على القائمين على الفعل التنويري ، هل الثورة للتغيير السياسي الفوقي ، مناصب وكراسي وهيكلة مؤسسات ، أم للتغيير الجذري الثقافي ، في الوعي بأهمية وجود مناصب ومؤسسات وسياسات!؟، هذه ليست دعوة للأناركية ، ولكن مطلب للوضوح والصراحة مع النفس ، فأغلب الحركات التغييرية كانت تغير محتوى الصورة ، وإطارها الملوث موجود باقٍ كما هو. نعم الأمل موجود ، ولكن ليس كافي للعمل البنائي الوطني . في مصر هناك قدرات إنسانية وطاقات مادية كثيرة مهدرة ، ولكنها تحتاج للتخطيط والتكنيك في ظل وجود إستراتيجية للعمل الجاد.

المصدر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*