الرئيسية | سرديات | مظلّة صغيرة تجمعنا | محمود الريماوي
محمود الريماوي
محمود الريماوي

مظلّة صغيرة تجمعنا | محمود الريماوي

محمود الريماوي ( فلسطين –الأردن ):

 

 

الرجل الكهل المبترد الذي فَقَد ما تحصّل عليه، وما اختزنه من دفء، والذي طالت وقفته على الرصيف تحت شرفة محل تجاري، بانتظار أن يتوقف هطول المطر، أو أن تتوقف لتحمله سيارة أجرة، قادته قدماه الى التسلل، والانسياب برشاقة طفولية تحت مظلة تحملها سيدة شابة عبرت الشارع مسرعة من أمامه. كانت السيدة قد حانت منها بعينيها الناعستين التفاتة خاطفة اليه في وقفته، التفاتة بنظرة بدت كشعاعٍ في العتمة، ما جعله سريع” الاستجابة” لدعوة.. لم تتم.

السيدة الشابة فاجأها اشتداد هطول المطر، وهي تتجه ماشية بعد خروجها من العمل الى مخبزها المفضل لشراء بعض العكك الساخن، وقد جفلت وألجمتها المفاجأة الثانية فلم تنبس بكلمة. ربما شمّت رائحة الرجل، ووصلتها أنفاسه وقد واصلت المشي ولو بارتباك، والرجل الأطول قامة منها ويكاد شعره الرمادي يلامس سقف المظلة يجاورها تحت القُبّة القماشية. خشيت السيدة أن يصيبها سوء، وفكّر الرجل بالابتعاد عنها وعن مظلتها، وبدلاً من هذا وجد نفسه يتلعثم قائلاً بنبرة أمل: آسف، أودّ العبور الى الشارع المقابل. 40 مترا فقط. وهي كالمسرنمة أسرعت بمشيتها حتى تقطع هذه الأمتار بأسرع وقت ممكن. وسألته بعد هنيهات: هنا؟ أجابها: اقتربنا. ومع انعطاف الرصيف فقد انعطفت السيدة تحت ضغط التوتر بصورة مفاجئة فيما كان هو سادراً في خدره، ما جعل كتفه تحاذي كتفها وتحتكّ بها، وما جعله يستنشق عبير عطر أنثوي. تجدّد ذعرها ووجدت نفسها تخاطبه قائلة: إمسك المقبض.. خذ مقبض المظلة. وقد أمسكه بعد تردد وبقدر من العناء، فقد كانت ثمة ريح قوية تعصف، وتُطوّح بالمظلة الخفيفة زاهية الألوان. أحنت السيدة رأسها وخرجت من غير أن تلتفت إليه. شعر الرجل لأول مرة في هذا الموقف بالحرج! فقد جعلته يستولي على مظلتها، وهو لم يكن ينتوي الاستيلاء على شيء، ثم اندفعتْ تمشي تحت المطر وبعكس الريح، فشَقّ الأمر عليه، وتمكّن من اللحاق بها متأسفاً وداعياً إياها أن تعود للاحتماء بالمظلة. لكنها فزعت وصرخت به: ابتعد عني أيها المجنون. فوجىء بحدّة غضبها وبالشتيمة المقذعة، ولم يكن هناك أحد في الشارع تحت وابل المطر يتوقف عن المشي السريع أو ينشغل بغيره، وما كان منه إلا أن قذف بالمظلة مبرهناً أنه لا يعتزم سلبها، ولم تقع المظلة على الأرض بل حملتها ريح نشطة. واندفع الرجل يمشي، وسرعان ما تبعه شاب أمسك بالمظلة وأعادها اليه، فشكره وهو يستعيدها منه، ثم لام نفسه لأنه لم يطلب من الشاب إعادة المظلة للسيدة، على أن هذه كانت قد ابتلعتها الطريق واختفت تاركة خلفها سحابة عطر بدّدها ماء المطر، وقد اختزن الرجل بعضاً منها في أنفه.

الرجل في تخبطّه عثر أخيراً على سيارة أجرة، وعاد الى بيته في ظاهر المدينة، وهناك لم يلبث أن غرق في النوم والدفء، ليستيقظ في العتمة مضعضعاً مُبلبلاً، وقد عصف به اللوم على نفسه، وتساءل مستنكراً: لماذا فعل ما فعله، ولم يجد ما يفسر به اندفاعه الطائش سوى وقوعه في السرحان.. ثم تبسّم، فعلى طريقته في الالتفاف على التعاسة وحشوها بالدُّعابة فقد خطرت له خاطرة متأخرة، إذ كان بوسعه بعد أن حلّ الغضب بها، أن يختم المسألة بنهاية سعيدة بالقول للسيدة ولو على سبيل الكذب الاضطراري، إن ما يفعله هو من مقالب الكاميرا الخفية!. لكن بداهة المرح خانته آنذاك في غمرة السرحان، أو التيه الكحولي. لقد فارقه هذا التيه الآن ساعة المساء بين جدران غرفته، وحلً محلّه شعور بالكدر والحيرة: أين يذهب بالمظلة النسائية التي لم ينسها لسوء الحظ في سيارة الأجرة، المظلة الصغيرة زاهية الألوان وقد استحالت في ناظريه مُستمسكاً دامغاً عليه، و”كائناً” مخيفا قد ينتقم لصاحبته رغم ما يبدو من براءته. أين يذهب بالمظلة؟ وكيف.. كيف لربّات الشعر فُرادى ومجتمعات، أن يسعفنه على استكمال كتابة قصيدته ” مظلّة صغيرة تجمعنا”، التي انتشى ليلة أمس بكتابة مقاطع أولى منها؟.

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*