الرئيسية | سرديات | مقطع من رواية 1968 للروائي المصري أسامة حبشي
غلاف الرواية

مقطع من رواية 1968 للروائي المصري أسامة حبشي

حبشيماذا أنتظر من رجل كلما ذهبت عيناه للغفوة قليلا، وجد نفسه يبتلع جسما كبيرا، غريبا، وبمجرد أن يبدأ فى ابتلاع جسم آخر مشابه، فإذا بالجسم يتوقف فى “حلقه”، وتبدأ يد غامضة المصدر تضرب على ظهره كى تساعده فى الإفلات من الموت، ولكنه يتقيأ قططا. رجل يبتلع القطط ويتقيؤها هو أنا، أعلم أنه فى بلاد بعيدة يأكلون القطط، والكلاب، والفئران، ولكنهم على الأقل لا يبتلعونها مثلى هكذا، رجل يبتلع قطة كاملة، ومواؤها المستغيث لا يجد عنده رحمة هو أنا.. فماذا أنتظر منى؟ ولماذا كلما أغمضت عينى تكون تلك اللوحة المقززة هى ما تفزعنى وتلاصق وجهى مثل ملاصقة المسام اللعينة للجلد الأسمر؟ أنا رجل أصبح يخشى النوم، ويخشى الورق الأبيض الموجود على سطح المكتب، نعم أنا رجل تقتله ورقة بيضاء، وإن عطفت عليه وأجلت قتله أصابته بجروح فى جسمه، جروح أشبه بما تفعله أوراق الذرة عندما تلامس الجلد، الورقة البيضاء تعيدنى لطفولة هناك وسط الحقول وقت أن استباحت أوراق الذرة جسدى، أتذكر الآن كم كان قاسيا ذلك وقتئذ.. أنا هنا أهرب من تقيؤ القطط لأجدنى أمام تلك الورقة البيضاء التى تقاتلنى، ولا أستطيع فعل شىء، فلا المقاومة بغزوها وكتابة الكلمات تشفعُ، ولا الابتعاد عنها يوقف ألم التذكر الذى يطعن القلب بسكين بارد، ورقة بيضاء يا ربى تفعل بى كل هذا!!

ورقة بيضاء أشبه بحصان طروادة أو كعب أخيل، ورقة خبيثة كورقة معاهدات السلام المزيفة، ورقة قاهرة كالمستعمر الأبيض لحظة تدميره للرجل الأفريقى الذى يجلس أمام شجرته فى الصحراء وقت أن تشتد الشمس، أعرف كينونتى أمام تلك الهالة الورقية البيضاء وأمام القطط التى تخرج من فمى إن غفوت.. أنا خيال المآتة البليد الذى يحرس حقلا وهو لا حول له ولا قوة سوى هيكله المزرى، أنا خيال مآتة يود البدء فى كتابة روايته “1968” ولكن كلما كتبت، مسحت ما كتبته.. وكلما عجزت عن الكتابة انهزمت أمام كل العمر الذى فات، وبات العمر جرحًا غائرًا فى أعماق القلب ينزف كالسرطان الخبيث ولا يمكن لنا بأية حال من الأحوال أن نوقف نزيفه.

***

أنا هنا بحافة ضجيج التذكر أشعر بالغثيان، وبعيدا عنه أموت عن جد من الحنين، وفى منطقة الوسط أتردد، وأهرب!! أهرب من ضجيج الأصدقاء والطفولة، أهرب من الشوارع ومن عابرى السبيل بقلبى، أهرب من الخوف كى لا أتذكر الأشياء السيئة، خصوصا أن الذكريات السيئة دائما هى التى تبادر للقفز سريعا كى تعكر صفو مزاجى، أهرب من تذكر رواية “الأبله” لدوستويفسكى لأننى لا أملُّ من التفكير فى إعادة كتابتها على طريقتى مرة أخرى وتحديدا من وجهة نظر “روجين” وليس الأمير “ميشكين”، وأهرب من “1968”.. أهرب من ملابسى، ومن طريقة نظرتى وقتها للأمور، أهرب من أحذيتى القديمة ومن الجوارب التى لم تعد تليق بقدمىّ، أهرب من ذكرى حافة أول لمسة لمعشوقتى الأولى التى علمتنى شبق الشهوة، أهرب مما لا أعرفه. أهرب من “عبدة الدار” و”نرجس” وجدتى.. أهرب وأجد نفسى أغمض العين قليلا فأشعر بفرحة تحاوطنى لبرهة ثم تختفى، تختفى فرحة الاستسلام للحظتى الراهنة التى تحمينى من ضجيج التذكر، فأنا أودُّ أن أكون بعيدا عن ضجيج التذكر.. وقريبا من فرحة إغماض العين قليلا ولكن بكل أسف لا أستطيع تحقيق ذلك الحلم، وما سأقصه اختلط الحابل بالنابل، وصدقنى يا صديقى الذى هو هناك ولا أعرف ماذا يفعل قبل الاشتباك معى فى نصى أو أثناء وقوع نظره على باب الضجيج هذا، فهل ستدخله معى يا صديقى أم أنك ستظل هناك بعيدا فيما وراء السحاب؟ عامة أيا ما كان ما تفعله الآن، فأنا فى هذيان، وأشعر برائحة الموت والحياة معا!! أنا هنا أود البدء بروايتى لتعرفها معى، ولكن الحرف يستعصى علىّ ويكتب عن خطوط هى لشخص آخر، شخص أكرهه، ودائما ما أفسد حياتى وهو الآن يفسد سردى.

***

الغلافلا أدرى كم مر علىَّ فى هذا الوضع؟ ربما عام أو أعوام.. لا أعلم؟ تضع لى أختى الطعام أمام غرفتى.. فى البداية كانت تطرق الباب، فأجيبها لتتأكد من أننى ما زلت حيا، فتحمد الله وتمارس حياتها الطبيعية بباقى البيت، ولكن تبدل الحال وصارت لا تطرق الباب بعدما يئست من البحث عن صوتى التائه خلف الباب المغلق دائما.. تترك الطعام، وأتعمد أن أنقله للداخل عندما يغلبها النوم، وأحسدها عليه دون غلٍّ بالطبع، ولتجنب الخروج مطلقا من الغرفة صنعت من أوانٍ بلاستيكية حماما خاصا بى داخل الغرفة، فقد تعهدت مع ذاتى ألا أخرج من الغرفة ولو انطبقت السماء على الأرض، أختى زادت الأعباء عليها بهذا الحمام الجديد، فهى تنظف تلك الأوانى وتعيدها إلى مكانها بالضبط، ثم تنظف سريعا الكتب الملقاة هنا وهناك، وتبحث عن أعقاب السجائر كمن تصطاد عصفورا فى شجرة كثيفة الفروع، ولا تعلم عن العصفور شيئا سوى صوته وغنائه الذى لا يتوقف، وهل صوت العصفور هو غناء أم رجاء بعدم الموت؟ لا أعلم!!

فى الغالب لم أكن نائما وأتصنعه كى أتجنب الحديث معها، فأنا رجل خاصمه النوم وصاحبه هذيان التذكر واستعصت عليه الكتابة.. أختى تصير كالشبح أمامى، أرى قصر قامتها وأتعذب لرؤية ذراعها اليسرى التى بها عاهة، حيث اختفت منها الأصابع ولم يرجعها الله لها، أرى الحرق المصاحب لنصف وجهها الأيمن والممتد للكتف ولا أملك سوى البكاء.

***

كل شىء حولى تحول إلى جحيم بعدما كان اسمى يملأ السمع والأبصار، الآن أنا هنا بين جدران أربعة وسقف أشعر بوقوعه على قلبى بين لحظة وأخرى، غرفة بها سرير خشبى متهالك، ووسادة مليئة ببقع سوداء، الملابس لا يوجد إلا القليل منها؛ فقد أحرقت أغلبها منذ زمن كى أجبر نفسى على عدم الخروج، ورغم ذلك فهذه المحتويات القليلة تحاصرنى وكأنها شخوص تحاربنى، كل المحتويات تصبح  مفترسة وكأنها مخلوقات غريبة تود التِهامى، أحتمى منها فى ركن ولكن لا مهرب، أصرخ فلا تكف عن مهاجمتى، أبكى فلا ترحم ضعفى، أخفى وجهى بكفى فأجدها بين الكفين والعينين تغتالنى، أصاب بالصرع ولا رأفة منها علىَّ، أخبط رأسى الأصلع بالحائط فأجدها بين دمى ورأسى تنهش جمجمتى كطيور “هتشكوك” أكسر كل ما فى الغرفة، وأمزق بعض الكتب ولا راحة تغيثنى منها، أستجمع قواى وأحاول محاربتها مجددا، ولكن من أين لى بالقوة؟ فأسقط أرضا كالميت، وأصبح كالدمية فى حجر أختى، تمسح الأخت دمى، وتقبل رأسى.. تطبطب علىَّ وكأنى ابنها.. تقرأ آيات من القرآن تحفظها بصعوبة تتضح من قراءتها، ثم تختتم هذا الطقس – الذى لا أعرف كم تكرر وإلى متى سيتكرر – بتعويذة ضد الحسد، كم ثمن المعاناة التى تدفعها أختى بسببى؟! لا أعلم. وأى ذنب ارتكبت كى يكون لها أخ فاشل مثلى؟! أخ يعتقد أنه روائى.. كتب رواية وحالفه الحظ واشتهرت، وعاش على هامش الشهرة سنوات لا يفعل شيئا سوى ممارسة الغرور والتعالى على الآخرين، وعندما شعر باليتم فى الكتابة قرر كتابة رواية أخرى ولكنه لم يستطع إلى الآن رغم المحاولات التى لم تتوقف، وها هو الآن سجين فى غرفة، يعانى من هذيان وتخبط وإحباط واكتئاب حاد، أخ قطع شوطا فى تناول الأفيون والحشيش كى يكتب روايته الثانية وفشل.. فشل حتى فى احتواء أخته العانس وحمَّلها فوق طاقتها.. حمّلها ما لا يحتمله بشر.. أفكر فى أختى العانس التى ما ناداها أبى يوما باسمها الحقيقى وكأنه قد قرر مسبقا معاقبتها منذ ولادتها، يلقبها أبى “القرادة” وكان يقول دائما “هذه البنت التى اختفت منها أصابع اليد اليسرى تذكرنى بوبر الصوف إن لم تحترس منه أصاب الأنف بالزكام”. أبى حرم “نرجس” سماع ذلك الاسم طوال حياته، وكان لقب “القرادة” لا يفارق فمه، “نرجس” العانس التى خاصمتها الدنيا بعزوف الرجال عنها، وخاصمتها ضحكات الأطفال مدى الحياة، لا تعرف أى ذنب اقترفت ليكون جزاؤها كل هذا الحرمان، طفلة تولد بذراع خالية من الأصابع فهل تُحاسب على ذلك؟ طفلة تكبر وفى لحظة غضب يقذف الأب بـ”وابور الجاز” فى وجهها فيصبح نصفه الأيمن محروقا حتى الكتف، فأى ذنب لها؟ عندما أسقط كالميت وسط الغرفة وتأخذنى نرجس بحجرها أحس أنفاسها تتساءل عن السبب لكل هذا الحرمان، وأجد فى عينيها عتابا للجميع، لى ولأبى ولأمى وللحياة ولله، عتابا لا يستثنى أحدا ولها كل الحق فى ذلك، ولكنها لا تجد أبدا إجابة!! نرجس تغوص فى حياة خرساء، سوداء، مؤلمة، امرأة قصيرة لها شعر أسود فاحم طويل، وطيبة قلب تسع العالم، ولكن لا أحد يدرى بها، تعيش معى بعد وفاة والدينا منذ أعوام خلت، نرجس ورثت عن أمنا “عَبْدَةِ الدارِ” كل القهر والألم، وكأنهما ولدتا لحمل البؤس على كتفيهما مدى حياتهما.

تتركنى “نرجس” وتخرج وهى تخبط كفا بكف من الحيرة والشفقة على حالى، فأخوها الذى هو أنا، رجل يقترب من العقد السادس بعد عامين، يجد نفسه وجها لوجه أمام فشله، وهى عاجزة عن مساعدته، رجل مطلق، له ولد وحيد، لا يعلم أين هو الآن، وكأن مصير عائلتى محكوم بأنانية ذكورية، وغباء ذكورى الطبع، ولا ذاكرة صافية تسعفه فى حالته تلك، رجل كل الشخوص الكريهة تهجم عليه وتغتصبه كمن يغتصبون فتاة ويلقون بها على حافة الرصيف كورقة من جريدة، تتقاذفها الريح هنا وهناك، وتدهسها الأقدام هنا وهناك، أنا رجل كان كاللص يسرق حياة أصدقائه ويعيد بناءها بشكل ركيك ويقدمها للقراء على أنها من بنات أفكاره، رجل إن انتهت سرقاته من الأصدقاء يسرق المارة ويسرق كل ما تراه عينه، كتب قصصا وعندما كتب الرواية حالفه الحظ وابتسمت له الدنيا، ولكن لم تدم الابتسامة كثيرا، وبمرور الأعوام وبسبب السؤال الملح عن روايته الجديدة بدأ الألم يتسرب له، فبالفعل هو عاجز عن الكتابة مرة أخرى. نعم عندى موضوع جديد وهو رواية “1968” التى كتبت منها ثلاثة فصول ولست راضيا عنها حتى الآن، عشرة أعوام وأنا أفكر بها، عشرة أعوام كانت الأفكار عن تلك الرواية تأخذنى للأعلى وتلقينى للأسفل بلا رحمة، الرواية بدأتها بمقطع للرئيس جمال عبد الناصر، مقطع من البيان الموجه للأمة بتاريخ 30 مارس 1968: “أيها الإخوة المواطنون الآن يصبح فى إمكاننا أن نتطلع إلى المستقبل، وقبل الآن فإن مثل ذلك لم يكن ممكنا إلا بالاستغراق فى الأحلام والأوهام، وكلاهما لا تستسلم له الشعوب المناضلة، فضلا عن أن تقع فيه بينما هى عند مفترق الطرق الحاسمة أمام تحديات المصير”.

***

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*