الرئيسية | شعر | من أوراق إفران | علال الحجام
علال الحجام

من أوراق إفران | علال الحجام

علال الحجام (المغرب):

 

                                                           

1 – زبانية الثّلج 

وشوشَتْ غيمةٌ

تمتطي صهْوةَ الرّيحِ مُتعبةً

لصنوبرةٍ تتآكلُ أفراحُها الخضرُ:

إنّ زبانيةَ الثّلجِ

لا … لا محالةَ قادمةٌ في المساءِ قُبَيْلَ

صلاةِ العشاء.

أطْرَقَتْ لحظةً

ثم قالتْ لهم: أيّها الأصدقاءُ الأعزّاءُ

ليس هنالكَ من حطبٍ في الممرّ

لتدفئة الوهم يلتحفُ القهقرى

في المسافةِ بين احتمالِ الرحيلِ

إلى واحةٍ في تخوم المحال وبين الجراحْ،

أتزورونَنا دون أن تطرقوا بابَنا الخشبيةَ؟

ليلتُنا انفرطتْ

في مدار الصقيعِ

وطالتْ سلالمها اللّولبيةُ،

لما تجمّدَ، في أعينٍ تتحرّقُ أجفانُها،

دمعُها المتصرّمُ يرشقُ بالحلْم دمعَ الأقاحْ،

آه هلْ ضاقتِ الطّرُقاتُ

إلى عرَصَات الرّبيعِ،

وما عاد ينفعُ شرنقةَ اللّيلِ وعْدُ الصّباحْ…؟

2 – البحيرة واجمةً

تسبحُ باقاتُ الأخضر في زرقةٍ

تعتصرُ السّماءُمن شهقاتها المدامْ

فيغارُ الحصى من لويناتِها

وينامُ على كتفيْها الغمامْ.

البحيرةُ تحتمي بوجوم الصّفصافْ

دأبُ البطّ أن يوقظَها

ويكسّرَ لغطُهُ كلسَ الكمَدِ،

لكنّها لا تطمئنّ في أصيلٍ تؤنسُهُ

كركراتُ العابرين،

ويهدّد ألفتَهُ غروبٌ جافٌّ كالعطشِ،

وسخريةُ الصّبيانِ من وداعةِ الأسدِ،

والهمهماتُ تتموّجُ في مرآتها ألوانُ الطيفْ

إلا إذا أمازيغُ غنّى لها

شاهداً في خيمةٍ سامقةٍ من نغمِ

على قرانِ النّورِ بالظّلامْ،

محاوراً بالقلبِ دفّهُ الممشوقْ

حوارَ العاشقِ المكويّ للمعشوقْ…

3 – تثاؤب أكلمام

الحانةُ فارغةٌ إلا من صفيرِ قنّينةٍ

نصفِ مملوءةٍ خلفَ المسْحبِ،

والمطعمُ لم تَشرعْ خطاطيفُهُ بعدُ

في ترتيب مقاعدِه الوسْنى،

وتنظيفِ أركانِ الأمسِ المعتمة

من العلكةِ ومِزَقِ الورقِ

وقشورِ الفُستقِ

وأعقابِ السّجائرِ الشّقراء،

وحدَها القافيةُ النحيلةُ تحت المظلّة

في شرفةٍ تطلّ على البُحيرةِ في أعلى أكلمامْ

تستدرجُ للبوحِ مرايا الماءْ

حين تخدشُها القشّةُ

          ويضمّد جرحَها النسيمُ،

أو عندما تشاكسُ ارتعاشَ أشعّةٍ يلثمُها

رذاذُ قبلةٍ خجْلى وراءَ الصّنوبرة،

قد تغسلُ حيرةَ البطّ أمام رشقةِ حصاةٍ طائشة،

أو تعرّي وضاءةَ السّقوفِ الحمراءِ الخضراء

على مرأى من الغمامْ،

لعلّها تسائل قلعةً رابضَةً في أعلى الجبلِ:

ـ يا شموخاً يطاردُ سكينةَ الغابة،

هل تسمعُ في الليل شهقةَ خيمةٍ مثقوبةٍ

على مرمى حجرِ

تناغي رضيعاً يهدهدُهُ القرُّ في المنحدرْ

يبكي ثدياً أعجفَ اغتالتْ ربيعَهُ الأهواء…؟

فارغةٌ هذه الحانةُ إلا

من صفير قنّينةٍ نصفِ مملوءةٍ خلفَ المسحبِ،

ووحدَهُ أمازيغُ … … يملأ كأساً

بنبضِ دفّه الفصيحْ

على جناح أهزوجةٍ

مغنياً مرثيةً لعاشقٍ تفجّرتْ دماءُ دمعِه نهرْ

وعاشقة

أصبحَ جرحُها صفصافةً تعاتِبُ القمَرْ… !

4 – أوشام السّبُع

عسلٌ نهارُ الذّاكرة

ترقّشُ سُطوعَ الغيب بالنّجوم،

وملحٌ لياليها الطّويلة،

أمّا وجومُ السّبع

أمام مراثي الجيرانيومْ

فمجرّةٌ من الحواسّ الموْشومةِ بالحرّية،

مهجٌ تنسَلّ من قيودِها

وتصاحبُ كلّ نسمةٍ عليلة.

رابضاً على سجّادِه المطرّزِ بالنّبضِ

تحرسُهُ النّافورةُ

دفقاتُها تطاولُ أعناقَ الأرز وقد شمخَتْ،

ونداءاتُ الصّنوبر تُباهي بملذّاتها

الزّهرَاتِ الكليلة

يستلطِفُ ارتعاشُها الغيْمَ الحبيسَ في السّمَاء…

ينفضُ جُعَلاً

                    يقرصُ خصرَهُ

سريعاً،        ثمّ يفتحُ كتابَهُ

فيقرأ    الصّمتُ الشّجيُّ

شفقةَ الخمائلِ الظّليلة!

5 – أشجان ميشليفن

ميشليفن جلَسَ القُرفصاءَعلى صخرة

تحت غصن يبيسْ

يستعيدُ حكاياتِهِ،

ويعاتبُ ريحاً على هبّة الفجْر تُفزعُ سمّانةً

أخطأتْ في المتاهات صوتَ الأنيسْ،

وعلى صرَخاتِ انكساراتِ نسغٍ

يناجي دياجيرَ أعماقِهِ

يُوقظُ في كلّ جذرٍ تحت أخفافِ الرّمادِ

جراحَ التّرابْ…

من أبْكى المرمرَ

على صدر الدّمارْ؟

من أخرسَ ثرثرةَ الشّمسِ

في منتصف النّهارْ؟

هو ذا يتقطّر حُلْماً تجفُّ جداولُه

ويعادي الدّفءُ منامتَهُ،

يرتدي فروةَ الثلجِ بين الأعالي

ويُدمنُ وحدَه جمرَ الغيابْ…

هو ذا يتقطّرُ فاتحةً لفصولٍ تجاهَلُ ما حولها…

أصحيحٌ أصابَ مفاصلَه الرّومتزمْ

وهو يركبُ أيلَ المدى في فجاجِ السّرابْ…!

يا قمّةً ترتاحُ في انحدارها،

من يجعلُ الأخطاءَ عمامةً لقرعِهْ،

والعثراتِ في الدّجى

أرجوحةً لصرعِهْ؟

إفران، مكناس، شتاء 2012

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*