الرئيسية | أخبار | من قتل عالماً كمن قتل الناس جميعا
قتل عالماً

من قتل عالماً كمن قتل الناس جميعا

عزالدين بوركة

 

ماذا يعني قتلُ عالمٍ، سوى فناء عظيم، سوى قتل الناس كلّهم. من قتل عالماً كمن قتل الناس جميعا. هذا ما على الآلهة أن تكتب على أبواب معابدها…

من قطع رأس التمثال إلى قطع رأس عالم، من الموت إلى الموت… هذا ما أنتج لنا العالم الإسلامي هذا… تاريخ دموي بامتياز… صرنا نواجه اليوم مصيرا أليما أمام المد الرجعي الظلامي، الذي تقوده جماعات إرهابية تعشق الدم والتدمير. صار تاريخنا وتاريخ الحضارات السابقة في خطر، أمام تقدم هؤلاء الإسلاميين.

بعد قطع تمثالي طه حسين وأبي علاء المعري، في السنتين الماضيتين، في كل من مصر والعراق، (علامتان بارزتان في التاريخ العلمي والأدبي والنقدي العربي، القديم والمعاصر) نقف اليوم مندهشين ومتألمين من مقتل وقطع رأس أحد العلماء الأثريين خالد الأسعد (82 عاما)، الذي شغل منصب مدير آثار تدمر منذ عام 1963 لغاية 2003، أعدم على يد داعش بعد ظهر الثلاثاء في مدينة تدمر التابعة لمحافظة حمص السورية.

إن ما نواجهه اليوم من تطرف ديني، أصبح يهدد كل شكل من أشكال التغيير الممكن في هذه الأوطان (شمال إفريقيا والشرق الأوسط)، فقد صار التطرف متجذرا في غالبية الأجيال القادمة، ويُرجع الأمر لتهاون الأنظمة في هذه البلدان أمام هذا المد الرجعي الذي بدأ منذ العقود الأولى من القرن الماضي، بل أيضا لكون هذه الدول والحكومات قد مهدت لهذه التيارات الظهور عبر اللعب بأوراقها، أو عبر تبني أيديولوجيات إسلامية متطرفة لا تبتغي التقدم إلى الأمام بقدر تبنيها للتراجع للخلف (الوهابية بالسعودية مثلا)، كما فرض ما يسمى (التعليم الإسلامي أو التربية الإسلامية) على كل تلاميذ سنوات التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، فرض عين، ولا يقف هذا الأمر عند هذه النقطة حيث تفرض عقيدة معينة على أجيال كلّها، دون أدنى هامش حرية الاختيار (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، زيادة على تدريس نصوص دينية تكرّس القتل والموت والعداء للغير مسلم. (واقتلوهم حيث ثقفتموهم)، (جئتكم بالذبح)، (اسلم تسلم)…

إننا ضد كل أشكال التطرف والإرهاب، إلا أننا نحاول أن نبحث عن إجابة صريحة لسؤالنا، من أين لهم كل هذا الإرهاب؟ إن التعلق بالنصوص الثابتة والقديمة، ومحاولة إسقاطها على واقع اليوم، أو تبنيها كحل أكيد ووحيد لمشاكلنا وهمومنا، له أمر يبتعد عن العقل الحديث كل الابتعاد، إلى الثبات والسبات. ليس الحل –وهذا أكيد عندنا- في السلف، إن أية محاولة لاستخلاص قوانين أو أحكام أو مبادئ إنسانية من نصوص ترجع لما يقارب ألف سنة ونصفها، ما هو إلى عملية تخريب وتدمير كل ما شيدته الإنسانية منذ عهد النهضة الأوروبية إلى يومنا هذا.

إن تلك النصوص ما ولّدت لنا إلى حدّ الآن مجرد القتل وتبنيه، قتل العلماء والناس جميعا، قتل كل من يخالفنا عقائديا ومذهبيا وجغرافيا، وهذا ما شهدناه اليوم مع مقتل العالم الأثري السوري خالد الأسعد على يد تيارات التدمير والإرهاب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*