الرئيسية | سرديات | موت شهيد | أسعد أحمد ساري
لوحة

موت شهيد | أسعد أحمد ساري

أسعد أحمد ساري (اليمن):

 

 

أستشهدت في المعركة الأخيرة يوم أمس تقريبا، لا استطيع التحديد متى،  كنت قد قفزت من وراء ساتر ترابي كبير إلى بقعة مكشوفة وبدأت أطلق النار باتجاه المسلحين القادمين من الجهة الشمالية ، وتبادلنا الطلقات، لم يكونوا يحسنوا التصويب فتأز الرصاصات حولي دون اصابتي ، بينما كنت أنا أختارهم واحدا واحدا بهدوء ، لكن يحدث أحيانا أشياء غريبة .. اخترقت رصاصة أحدهم صدري صدفة ، فشعرت بحرقة في ظهري وهبط ضغط الدم بسرعة شديدة ، وهذا أمر طبيعي جدا، يموت الإنسان وحتى الحيوان وأي كائن يجري دم في عروقة بسبب انخفاض الضغط الى الصفر .

سقطت على الأرض في مكاني وتمددت و قلت لنفسي في تلك اللحظات وأنا أشعر برغبة شديدة الى النوم ” إذا لم يسعفني أحد الآن ويتوقف هبوط الضغط فسأموت حتما “

ازداد الألم في ظهري ، في المكان الذي خرجت منه الرصاصة ، والرغبة الشديدة الى النوم ازدادت أيضا وهو ما جعلني أكاد أضحك وبعد دقائق أنتصرت رغبة النوم على الألم .

لا أعرف كم ظلت ممدا في ذلك المكان وما أعرفه أن مجموعة من الناس كانوا حولي وأحدهم يقول – شهيد بإذن الله .. استشهد وهو يبتسم.. أنظروا إلى وجهه ..هيا يا رجال نحمله-

حملوا جثتي إلى بيتنا وهناك وضعوها في غرفة فارغة وانصرفوا جميعا الى الخارج ، لكنهم بقوا جميعا قريبا من البيت وفي فناءه ، وأثناء الهدوء في الغرفة الفارغة دخلت أمي الرائعة التي اشبهها في كل شئ ، كانت تحمل كلاشنكوف متدليا من كتفها ، واقتربّت من الجثة أكثر، نظرت إلى الوجه مليا بصمت لطيف كأنها تنظر الى وجهه ابنها للمرة الأخيرة ، وكنت اريد أن أقول لها أن منظرها رائع وهي تحمل السلاح ، وقد بدت لي الشامة السوداء في وجهه امي كبيرة أكثر من قبل ولا أعرف لماذا ، لكن يبقى وجهه امي جميل بكل الاحوال .

لم يعد هناك شئ إسمه الزمن بالنسبة لي ، لقد انفصل عني في اللحظة التي انتصر فيها النوم على الألم، ولا فرق عندي بين ان تظل الجثة في الغرفة او مكان آخر ولا فرق بين ساعة أو ألف سنه ، لقد انفصل عني الزمن اصلا ، وأستمتع الآن بكل شئ ، وأدركت جيدا أن مايسمى موتا ليس نهاية ابدا ، ما هو إلا تجربة أعيشها الآن ، كانت المسألة مشابهة

لفتحك باب غرفة لتخرج منها وفي نفس الوقت لتدخل غرفة أخرى من نفس الباب ، وكنت أستغرب لماذا يخاف الناس من الموت ، لكن يبدو أنهم على حق حين لا يريدون أصلا الدخول الى تجربة أخرى ، البعض لديهم أسباب معقولة والبعض الآخر ليس لديهم شئ سوى الكسل .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*