الرئيسية | سرديات | وليمةٌ لأعشابِ المقابِر | حسناء محمَّد علي
حسناءُ مُحمّد علي

وليمةٌ لأعشابِ المقابِر | حسناء محمَّد علي

حسناء محمَّد علي:

 

 

لا أدري أي جنون ذاك الذي ساقني إلى المقابر في هزع الليل، دون خوف أو تردد، أشك أحيانا أني كنت ثملا حينها، أتخبط الأتربة بضجر وانفعال ليتصاعد الغبار المخضب برائحة الموت إلى أنفي نزوحا نحو دماغي، يخلخل ما تحجر فيه من ذاكرة.

 لا شيء يدعوا للقلق، لا تداري هذه الهضاب سوى أجسادا خانتها الحياة، يحتفل على شرفها الدُّود متلذذا بقلوب قاسية، لينتها رطوبة الأرض وهول الموت، ماذا كنتم تظنون إذا؟ خلتموه يشارككم النحيب أم أنه يتوشح بالبياض كجثثكم المهترئة، عند احتضاركم تخرج الحشرات لتتبضّع منكم، ولتجنب نتانة جلودكم المسمومة تتجرع سبع قنينات جُعة بنهم.

 ساقتني أقدام صوب قبر والدي، لم أصحب معي لا ماء ورد ولا صفائح نخيل، تخفف عنه وحشة القبر، لا أذكر أصلا أني بكيت يوم زفوا إلي نبأ وفاته، أتيته اليوم مؤنسا لربما استوحش الظلمة، لا أدري هل أسأله عن أحوال الدرك الأسفل أم الأعلى، أستفسره عن عظيماته الرثة هل بلغت بها النار مبلغها أم أن الله كان به رحيما، حتما هو كان، لكنك يا من ترقد هنا لم تكن، أدري أنك تسمعني؛ أتيتك اليوم معاتبا ولتستحمل، لا أتذكر صدقا آخر مرة جلست فيها إليك وتحدثنا، حوار حب من والد لولده، ألأني أكبر إخوتي؟ تبا، أنا لم أطلب منك ليلتها إنجابي أولا، أغراك شبابك ففتكت بهشاشة أمي، طفلة كانت؛ أنجبت ابنا تكبره ببضع سنين فقط. كلما دلفتَ البيت، اقشعر بدني ووقفت شعيرات رأسي الملساء، يقف البيت جميعه في انتفاضة، ولا يُسمع إلا زئيرك، كلما فرغت من التهام عشائك، ناديت والدتي تلملم عن جنباتك الأطباق، حاملة في أذنيها ألفاظك السوقية حين تهم بالمغادرة، لا يشاركك غرفتك سوى الراديو الأسود الضخم المغلف بجلد فاخر، تتوسده أذنك كصدر الحبيبة التي ليست أمي طبعا، تعتني به كما تعتني بلحيتك وتمسدها.

 مذيعان وحيدان يتناوبان على نقل الأخبار الدموية، كلما تنهدتَ، علمتُ أن قتلى جدد أضيفوا إلى لائحة ضحايا المقاومة، ياه ! على الأقل استشهدوا في سبيل الوطن، ماذا أنت؟ عشت متجبرا ومت خسيئا، كلما أنهيتَ عدّ كريات تسبيحك البيضاء ناديتني – ما أظنك كنت تسبح وتستغفر- آتيك مطأطئ الرأس خجلانا وخائفا، ما عاد جلدي يستحمل ضربات السوط، يكفي أن قدماي تورمتا من فرط وعيد عصا الفقيه، تسألني كم حفظت من القرآن اليوم وتحضني على الاهتمام بدروس المسيد أكثر، إن أتيتك بنتائج المدرسة فرحا وبختني لذكائي واشتهائي الكبير لدراسة اللغة الفرنسية والعلوم.. لطالما قمعت رغبتي في الحلم: أن أصبح طبيبا أو مهندسا، تقول دائما أني مشروع فقيه كمولاي أحمد إمام الجامع الكبير يخطب في الناس بالحق، كلما مرت شابة من شابات الحي ملتحفة بحيائها سال لعابه،تحضني على الجبروت، تستحضرني أمامك حين تهم بضرب أختي وإهانتها لا لسبب سوى أن طبيخها لم يرقك، لم أكن أفهم سبب وجودي في كل منظر وحشي تغتال فيه ضحياك، شِبْلك الصغير، تثقفه بالنظير، أذكر أيضا زواجك الثاني، حين طعنت الجزء الصغير المتبقي من فؤاد أمي المشتت، لم تلفظ المخبولة بكلمة، تعالت الأهازيج وبلا وعي منها أطلقت العنان للسانها بالزغاريد، المسكينة ترضي كبرياءها أمام الجارات، كلما خرجتَ من البيت شمرت قفطانها ونزلت على عروسك بالسب والشتم، تُسقط كل جفائكَ عليهَا، كأنها سلسلة عُقد نفسية تتسرب من الواحد تجاه الآخر وأخشى أني أصبت.

 أخبَرْتني ذات مساء شتوي أن المال وحده لا يكفي ليعيش الرجل عزيزا وكبيرا في عين عشيرته، يلزمه الخلف الكثير صبيانا على الخصوص، أي أني سأحاجج الله إن رزقني بفتاة، بضع سنين كانت كافية لأكبر بسرعة،ليالي سجني بالحظيرة لم تغير شيئا من موقفي صارت لي حينها مبادئي الخاصة، كفيلة هي بإخراجي من رحمتك، والخوض في سخطك طولا وعرضا، تنفست يومها بعمق كبير، وكأني أرى العالم أول مرة دون خوف ولا ارتياب، اشتغلت ودرست كما أردت، لم تراودني أبدا رغبة العودة إلى زقاق تظلّله “صَابَة” ظلّلت فكرنا، حجبت عنا الشمس حتى تخمرنا وتكدرنا، ونهشت الرطوبة إدراكنا. لم يكن سهلا البتة التملص من وسط لم يتوانَ على التأثير في، أنهكتُ قواي العقلية، على الأقل بجدوى.

جلست في غرفتي ما مرة وحيدا أخمن في شريكة حياتي، أنتقيها بحب، نعيش معا حياة تمنيناها، بسيطة لكن دافئة، فكرت أيضا في تربية أبنائي على الإحترام لا الخوف، الحوار لا القمع، الشجاعة لا المجازفة، تمنيت أبناء بشدة، حتى أني سمّيتهم في الغياب قبل لقاء والدتهم، تمنيتُ لي بنتا وولدا أرى فيهما نفسي الحرة، أعوضهما عن حرماني.

 لا بد أنك الآن تحت التراب تتحسر، طيب سأخبرك بأمر لتموت ميتة ثانية، مر على زواجي الآن عامين، يوم قررت الإنجاب وجدتني عاقراً .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*