الرئيسية | سرديات | آلام القط الأحمر | أيمن الدبوسي
أيمن الدبوسي

آلام القط الأحمر | أيمن الدبوسي

أيمن الدبوسي (تونس):

الأدب انفعال؛ سرعات وأدفاق وحركة وكثافات حسية وروحية وشطط. إنه عبارة عن إفراز روحي وحيوي. ترصد والتقاط وتمرير. فعل قيافة. صيرورة يُجانب فيها القاصّ الحيوان. إذ يتحوّل بدوره إلى قصّاص أثر يفكّ الرموز والعلامات بقدر ما يرمّز ويشفّر. في رواية “يالو” اكتشف إلياس خوري أول كاتب في التاريخ. إنّه الحبّار. الذي يكتب بحبره هروبه. حركة رشيقة يختفي أثرها مُخلفا غمامة من الحبر الكثيف.

الكثير من الأشياء تحدث حولنا. تؤثر فينا ونؤثر فيها. بعضها عرضي وبعضها الآخر محكم التدبير. فيها العادي والاستثنائي. لكن تحويلها إلى أثر قصصي يحتاج معالجة خاصة. إنه الأسلوب. تلك الطريقة الخاصة في إرسال الحبر، على غرار زخة الحبّار الفريدة.

من سيصدق بأن في داخلي قطا أحمر؟ قط صغير يخمش حُجُب بطني أحيانا وينهشني محاولا الخروج. إنه يقبع هناك منذ سنتين، حسيرا، ينتظر أن أشهد عمّا حصل له. بعد أن ألقت به كثافة انفعالية فذة إلى ذلك البرزخ الغريب. في داخلي قطّ أحمر يطلب القصاص. ينتظر أن أقصّ حكايته، يطلب الخلاص لأجل أن تقرّ روحه المعذبة.
خرجت أطلب العزلة آخر ذلك العشي لمّا مرّ أمام سيارتي الراكنة حذاء الرصيف قطّ أحمر قصمت ظهره سيارة كانت تأتي مسرعة من الطريق المعاكسة. فرقعة ظهره العنيفة انتزعتني من وحدتي ودفعتني لأن أتابع جهده المضني وهو يجرّ نصفه الخلفي المحطم ليدرك الرصيف أخيرا ويأخذ في مواء قاس أليم. كان يتلوى ويصوّت من شدة الوجع. وللحظة فكرت في أن آخذ مفتاحا حديديا من السيارة وأنزل لأجهز عليه وأنهي عذابه. لكني جمدت في مكاني لمّا رأيت قطا رماديا ضخما يطل من أعلى السور الملاصق للرصيف قبل أن ينقض على القط الأحمر ويأخذ في مواقعته غصبا. عضّه من رقبته محاولا اعتلاءه ورهزه، مزمجرا، ثم ضربه بقوائمه ذات المخالب الحادة. كان القط الأحمر ينتفض محتضرا والقط الرمادي يعنّفه محاولا إخضاعه. ظهره المكسور وانتفاضاته العنيفة جعلت ذلك عسيرا. استمر العراك لحظة خارج الزمان، بين ألم ونشوة، قبل أن يهمد القط الأحمر على حين غرة ويكف عن الحركة. تفاجأ القط الغاصب بالسكون المفاجئ. فأخذ يتشمم الجسم الهامد تحته ويلطمه بقوائمه منتظرا أي استجابة أو حركة. ثم رفع خطمه عن الجثة وانصرف بخطى مرتبكة، ملتفتا إلى الوراء أكثر من مرة.

كان الحدث من القوة والسرعة والكثافة والمباغتة والشدة حتى أنه هزّني هزّا. أصبت بصدمة انفعالية عنيفة. كنت منتصبا من شدة الإثارة، أتصبب عرقا، عيناي منفتحتان على أقصاهما، قلبي يتوثّب، وصدري يعلو ويهبط. لم أكن أتخيّل أن كل تلك الكثافة الحسيّة العنيفة يمكن أن تمرّ لحظة بجسد ذلك الكائن الصغير، فتمزّقه تمزيقا. ما حدث للقط الأحمر في ذلك المكان المقفر كان أكبر منه. وأكبر من طاقتي على احتماله. لكنني كنتُ هناك لأتعرّض لكل ذلك الشطط الحسّي وأشهد. سأشهد وأكتب حتى أحرّر القط الأحمر الذي في داخلي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*