الرئيسية | أدب وفن | إبراهيم الحيسن: التشكيل وجماليات اللغة الناقدة. الأيقونة والجسد، أنموذجا. | عزالدين بوركة
ابراهيم الحيسن
ابراهيم الحيسن

إبراهيم الحيسن: التشكيل وجماليات اللغة الناقدة. الأيقونة والجسد، أنموذجا. | عزالدين بوركة

عزالدين بوركة:

عزالدين بوركة

عزالدين بوركة

يُعدّ الفنّان والنّاقد التشكيلي المغربي إبراهيم الحيْسن، من الأسماء الجادة والبارزة في الساحة النقدية والفنيّة التشكيليّة المغربيّة. لما له من حُسن اشتغال، ودور فعّال في إغناء التاريخ التشكيلي المغربي بمتابعاتِه النقدية لأسماء عدّة، جادّة في اشتغالها، ومائزة في إبداعاتِها الفنيّة. فهذا الكاتب والفنان لا يحتاج إلى تقديم، كما يقول الناقد الجمالي محمد الشيكر، في تقديمه لمؤلف الأيقونة والجسد، فهو اسم -أي إبراهيم الحيسن- ثقافي مضيء وقامة نقدية سامقة وصوت إبداعي لمّاح، وسريرة فَيّاضة بالنبل ودفئ المعشر. إنه مفرد بصيغة الجمع وواحد بضمير المتعدّد. إذ يضيف د. الشيكر، تطالعك كتاباته الغزيرة من أوقيانوسات فكرية وسِجّلات ثقافيَة، متعدّدة متجدّدة، تتصادى لمسةُ الكاتب وسموق تجنيحاتِه، وعمق الإثنولوجي ودقة توصيفاته، وحصافة الناقد ومَضاء تعبيراته، صوت البيداغوجي وصرامة توجيهاته. تتراقص الكلمات ملء أنامله أنيقة، رشيقة، لماحة، وتتراصف الأفكار في حضرته وثيقة، عميقة متاحة، لا عسر فيها ولا تكلف، ويزيد ذات الناقد الجمالي فيقول، وفكره الجمالي متسق رغم تنوّع عناوين إصداراته وتباين مقارباته، بدءا من أسئلة التراث الصحراوي ووصولا إلى معضلات الإستتيقا وقضايا الفن التشكيلي المعاصر.1

فاللغة الناقدة، عند الناقد التشكيلي إبراهيم الحسين، تأتي لكشف الكشف، مادام الفن ضربا من ضروب التصوف الخالص، وتبيين الحُجُب. لغة أقل ما يُمكن القول عنها أنها، متوازنة، ودقيقة. إذ تجعل من الأساليب التحليلية والتفكيكية، منطلقا أساسا لها، لولوج عوالم اللون والشكل والتركيب، لدى مجموعة من الفنانين التشكيليين، الذين اشتغل ويشتغل عليهم. وهنا تتجلى قدرة الناقد الشمولية على إدراك، ما يتبناه، وما ينظّر له.

تبدأ اللغة الناقدة عند هذا الفنان والناقد، من الاستيعاب الواضح للمعاجم الفنية، وإدراك واع بالفلسفية منها، وإلمام واضح بما تصبو إليه، من شفافية وتقارب وحدس. فهو لا يزيغ عن الآليات والمعاجم النقدية لفلسفة الجمال، التي تجعل من الحدس، أولى آلياتها. فالفن ليس له من رسالة أخرى غير أن يعرض للإدراك الحسي الحق، كما هو موجود في الروح، الحق في كليته، في تصالحه مع الموضوعي والحسي.2 فثمة حدس علمي ينبثق من المعرفة العلمية، وحدس فني (وهذا ما يهمنا هنا) ينبثق من المعرفة الحدسية، وحدس تعبيري يرتبط بهما معاً ويستند في الوقت ذاته إلى إشكالية التعبير ذاتها.3 وهذا ما نلمحه بوضوح داخل النسق التعبيري النقدي، واللغة المتبعة من قبل هذا الناقد الصحراوي.

قد نتحدث عن قلة النقاد التشكيليين الفعالين بالمغرب، نُقاد يكون همهم الأول هذا الفن ومآلاته وتاريخه، وتتبعه والتنظير له فكرا ونقدا، قلائل إلى حد يمكن أن نذكرهم ونحن نعدد أصابعنا، إلا أنهم نادرون واستثنائيون هؤلاء الذين جمعوا بين الممارسة والنقد، بين الفعل والتنظير له، “ويعتبر الأستاذ إبراهيم الحيسن واحدا من هذه الاستثناءات التي تعد على رؤوس الأصابع. إذ يقول الكاتب المغربي محمد أسليم، فهو، بالإضافة إلى ممارسته فن الرسم ومساهمته في معارض وطنية فردية وجماعية عديدة، يواظب على الكتابة في هذا الفن ونشر دراسات ومقالات حوله في مجلات وصحف وطنية ودولية”، كما كُتُب تجمع بينها، وأخرى تتخذ لها سياقا خاصا ومساقا واحدا.

الأيقونة والجسدفعمله النقدي (الأيقونة والجسد، نماذج من الفن التشكيلي المغربي) الذي يأتي في طبعته الأولى سنة 2015 عن جمعية الفن التشكيلي، في حجمه المتوسط. جاء حاملا في معجميته، لتلك اللغة الناقدة المشار إليها أعلاه. لغة ثاقبة، وتحليلية، ومنهجية، تقترب من اللغة العاشقة، وتبتعد عنها إلى أخرى أكاديمية، لا تدعي ولا تتبنى الجمود الأكاديمي والصرامة اللغوية من حيث عدمُ الإكثرات لذائقة المتلقي، والاهتمام فقط بالنص وتفكيك المنجز والديالكتيك والمقارنة والتحليل… إلا أن اللغة عند هذا الناقد، استطاع لها أن تكون جادة وسلسة، رزينة ومتذبذبة. لغة تتلون وتنفتح على أساليب تعبيرية متعددة. وهذا واضح جدا في مؤلفه الأيقونة والجسد.

يبدأ كتابه النقدي هذا، في قسمه الأول: الجسد التشكيلي: الذاكرة والمسار. في بابه الأول، المعنون، عبر تناص جميل، “في البدء كان الجسد”. يستطرد معاني الجسد، نقطة اهتمام المؤلَّف، في المعاجم اللغوية، والفنية والفلسفية، والأدبية.

فالجسد في التشكيل العربي ظل يرتبط (كثيمة) بالعديد من المواقف والقضايا السياسية والاجتماعية.4 وقد ظل مفهوم الجسد في ثقافتنا العربية الحديثة والمعاصرة حبيس النص الفقهي. التشريعي منه والسجالي. ولم يجد مرتعا لبعض من حرية التفكير والتصور إلا في النّص التخييلي شعرا كان أو حكيا أو مسرحا.5 فقد نزع الإسلام نزعة توحيدية، وجعل للتوحيد المقام الأول، فتأثرت الفنون من هذه الناحية بحذف كل ما يختصّ برسم الإنسان أو الحيوان أو نحت تماثيلها.6 ولمّا وجد رجال الفنّ المسلمون أن الدين يعارض النزعة الفنية في الرسم والنحت عمدوا إلى تصوير الجمال عن طريق الذهن لا عن طريق البصيرة.7

وفي الباب الثاني: “الجسد موضوعا للتشكيل”، الذي حاول فيه الناقد، أن يتقصى تاريخ الجسد، توظيفا في المنجز التشكيلي العالمي، لوحة (بتعددها) ونحتا… ولو أنه “يصعب أن نقوم برصد دقيق، أو بتحقيب مضبوط للطرائق التعبيرية والأشكال الجمالية التي تمّ بها توظيف الجسد ودمجه، كموضوع وكمفهوم، في العملية الإبداعية (رسم، نحت، كوريغرافيا، تصوير شمسي، فيديو إنشائي..) بسبب تنوّع الاتجاهات الفنية وتعدّد التقنيات والأسناد والوسائط المعتمدة في هذا الإبداع أو ذاك، أو في هذه الطريقة التعبيرية أو تلك”.8

تعددت أبواب هذا المنجز النقدي، الذي ألّف بين نصوص سبق لهذا الناقد نشرها في عدة صحف عربية، ونصوص أخرى جديدة. إذ تطرق إلى أعمال الفنان التشكيلي محمد المليحي في باب “أجساد الموجة”، فتجربة هذا الفنان “مع الجسد -الهندسي- تظل موسومة بشعرية بصرية خاصة ناتجة عن توظيفات وتخليقات حسية أكثر منها مرئية.. ووجدانية متحرّكة على إيقاعات رياضية ظهرت قوية بعد عودة الفنان من نيويورك إلى بلاده المغرب (الانفتاح على الطبيعة)، حيث أصبحنا نرى في أعماله الفنية أجسادا طبيعية تجريدية مصوغة بنفَسٍ رومانسي وتكوّنها مفردات إيجابية إيحائية كالهلال والليل والنجوم..”9 وفي ذات الباب ناقش وحلل، بشكل دقيق ومائز، أعمال فنانين آخرين، كتجربة الفنان سعد بن شفاج، “الذي يعدّ فنانا طلائعيا لعب دورا كبيرا في إنعاش الحركة الصباغية المعاصرة بالمغرب وخاصة بمنطقة الشمال، من خلل الموضوعات التراثية”.10 ثم هناك الفنان الراحل عزيز أبو علي، الذي تميّز فنّنا حفّارا ماهرا وفاهما لأسرار الحفر Gravure، وتقنياته وبخاصة الحفر بالمنقاش.”11 وغيرهم من الفنانين، الذين اهتموا بالتجربة الهندسية والجسد في التشكيل. ومن ثمة يقف الحيسن عند تجربة الراحل محمد القاسمي، في باب خصصه له: “القاسمي يسلخ أجساده”. القاسمي الذي كان استثماره لهذه الثيمة في أعماله الفنية يستند على معرفة عالمية؛ يقول الناقد والفنان التشكيلي عزيز أزغاي، معرفة قادته إلى توظيف الجسد بأبعاد تشكيلية تراهن على حضوره المتشظّي، الموزع والمتلاشي، بما يعكس حالة وجودية مقهورة ومسحوقة، قبل أن يقوم، في مراحل صباغية لاحقة، بتطوير هذا التمثّل، من خلال معالجته تشكيلياً وفقاً لتصوّر أكثر إيروتيكية.”…

هذا ويقف الحيسن عند أسماء متعددة يُدرجها ضمن خانة التجارب الراهنة، التي تستحضر الجسد داخل أعمالها، عبر أساليب وثيمات مختلفة، ومتعددة. لكل فنان طريقته الخاصة في تصويره وطرحه. متحدية كل تلك التصورات الدينية والاجتماعية والسياسية المانعة للاقتراب من “الجسد”، لاعتباره شيئا مقدسا، فالجسد، حسب تصورها، مجرد معبر للوظائف الدينية والدنيوية. أسماء نذكر منها:

عبد الكريم الأزهر، شفيق الزكَاري، بغداد بنعاس، ميلود لبيض، محمد الدريسي،، سيدي محمد، محمد أبي الوقار، عباس صلادي، سعيد حسبان، محمد خصيف، بوشتى الحياني، حسين موهوب، عبد الكبير البحتوري، الحسين إيت أمغار، المنصوري الإدريسي، سعد الحساني…

 

  1. تصدير كتاب الأيقونة والجسد ص 5
  2. هيغل، فن العمارة ص 18
  3. اللغة الناقدة، محمد صابر عبيد 2011، ص 19
  1. الأيقونة والجسد، إبراهيم الحيسن، ص 18
  2. الجسد والصورة والمقدس في الإسلام، فريد الزاهي ص 7
  3. تاريخ الفنون، تأليف سلامة موسى، منشورة مجلة الدوحة، ص 32
  4. نفسه ص 33
  5. الأيقونة والجسد، إبراهيم الحيسن ص 12
  6. نفس المصدر ص31
  7. نفسه ص 33
  8. نفسه ص 35-36

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*