الرئيسية | سرديات | اسألوا الزرافة | محمد بنميلود
بنميلود

اسألوا الزرافة | محمد بنميلود

محمد بنميلود ( المغرب ):

 

كان يطعم الزرافة كل يوم ويحممها، بعد ذلك أحبها. كان موظفا في حديقة الحيوانات مكلفا بزرافة. هناك حيوانات كثيرة في الحديقة، قِرَدَة وفِيَلَة ونمور وأسود وطيور غريبة الخ.. لكنها لم تكن تعني له شيئا، ولم يكن يستلطف بقية الموظفين المكلفين بحيوانات أخرى. ظل دائما صامتا وانطوائيا في نظر الجميع، يبدو من بعيد كأنه خائف أو حزين أو يعاني مشكلة كبيرة بلا حل، أو يوشك أن يبكي دون سبب.
المساحة المخصصة للزرافة كبيرة نسبيا، تجعلك تعتقد لوهلة أنك داخل السَّافَانَا، فيها أشجار وتلال صغيرة صناعية وسلة عالية للأكل معلقة في شجرة شبيهة بسلة كرة السلة وحوض قصديري مستطيل للماء وسياج يفصل الزرافة عن زوار الحديقة.
يطعمها ويجلس قبالتها ساهما يحدق في عنقها العملاق وعينيها الناعستين ولسانها البني الطويل جدا الرقيق الذي ينتهي بالورديّ حين تخرجه كاملا بتلك الطريقة لتلحس شيئا، غير عابئ بضجيج الزوار وصراخ الأطفال إثر البهجة لمرأى الزرافة وتَفَرْقُعِ بالونات ملونة بشوك السياج وتَكْتَكَاتِ كاميرات التصوير.
ينهض ويمشي ببطء في اتجاه الزرافة ليربت على ظهرها المبقع بالأصفر والأسود أو على بطنها البيضاء تربيتة حانية ذات معنى، دون أن تنفر الزرافة أو تستهجن ذلك أو تهرب، ثم يعود إلى مكانه على التلة الصناعية العالية نسبيا، عاقدا يديه خلفه، ليجلس موليا ظهره إلى الزوار.
كانت الزرافة تتمشى أمامه بغنج شديد مبالغ فيه ربما تتقصّده دافعة عنقها الطويل إلى الأمام عند كل خطوة، كان يجد مشيتها أجمل بكثير من مشية عارضة أزياء، وأرق منها، وأطول منها.
وجه الزرافة صغير رغم أنها طويلة وعيناها واسعتان بأهداب ساحرة وذيلها قصير تقريبا بما يكفي فقط لتكون جميلة جدا. وجدها مثالية الجمال بهذه المواصفات وهي تتخطر في مساحتها تلك بدلع كامل مرة تقصد السلة لتعلف دون أن تنافسها على ذلك زرافة أخرى، ومرة تمد لسانها بأنوثة بالغة إلى غصن شجرة شاهق وتصل إليه رغم ذلك! الأمر الذي كان يثير دهشته عميقا، ومرة تجلس فتبدو رغم ذلك أطول من شخص واقف مهما كان طويلا.
لا تصدر أبدا أي صوت ولا أي ضجة ولا تهاجمه حتى حين يحممها بخرطوم المياه من بعيد أو حين يطبطب بيده على بطنها أو يرفع ذيلها بيده قليلا إلى أعلى ليرى.
يذهب مساء إلى بيته حزينا لفراقها ويعود صباحا قبل أن يفتحوا الحديقة، يكون دائما هو أول الواصلين منتظرا وقت دخول الموظفين بشغف وفي يده كيس بلاستيكي أسود فيه غداؤه بيض مسلوق وخبز وسلاطة أو علبة سمك الأسقمري وزيتون أو كرتونة حليب وخبزة وخضار مسلوقة وبرتقالة. يفتحون الباب فيدخل بلهفة مبتسما ابتسامة غريبة والكيس يتأرجح في يده وهو يسرع ليرى الزرافة ويطفئ أشواقه الغامضة إليها.
في البيت تنتابه أحاسيس غريبة، يفكر دائما في الأسوأ، أن الزرافة قد تموت في الليل من شدة الوحدة، أو أن أسدا قد يهرب من قفصه لينقض عليها دون أن تجد أين تهرب، أو أنهم سينقلونها في الظلام إلى حديقة بعيدة، أو أنها ستمرض دون سبب واضح فيجدها ميتة في الصباح. لذلك يسرع كل صباح بتلك اللهفة ليراها. تبدو له أخيرا، من بعيد لأنها طويلة جدا، في هدوء الصباحات، تتمشى كأميرة استيقظت باكرا لتتنزه براحة قبل أن تستيقظ الرعية، أو تبدو له تعلف ما تبقى في السلة، أو جالسة تتأمل كحكيمة ساهمة وهي تجتر العلف كفتاة عزباء تمضغ العلكة. يتملكه فرح قوي يفوق طاقته على التحمل فعوض أن يدخل من الباب الخلفي المخصص لدخول موظفي الحديقة يتسلق السياج بتحمس ويقفز داخل مساحة الزرافة كلص ثم ينهض من سقطته ويركض مباشرة في اتجاهها دون أن يمسح التراب عن بنطالهِ ومعطفهُ يتطاير في الريح ليعانقها في ساقها ويقبلها ويطبطب على جلدها الدافئ رغم برودة نسائم الصباح.
يضع كيس غدائه جانبا، يخلع معطفه يطويه ويضعه فوق الكيس، يطوي أكمامه ويهرع مباشرة ليضع علفا جديدا للزرافة في السلة. تعرف هي أنها ساعة فطورها، تتبعه متشممة شعره ووجهه ولاحسة وجهه أحيانا وهو يعتلي السلم ليفرغ لها كل العلف دفعة واحدة أمامها. تبدأ هي مباشرة بالعلف مغمضة عينيها من اللذة بينما يتأملها هو من ذلك العلو. يمد يده أحيانا ليلمس أذنيها الصغيرتين الشبيهتين بقرون مضحكة فتنتفض برقة لتمنعه محركة رأسها يمينا ويسارا ككلب خرج للتو من النهر ينفض الماء عن جلده بسرعة لكن دون عنف كأنها فقط تقول له: لا.
بعد ذلك بدقائق أو بساعة يبدأ الزوار بالتقاطر على الحديقة قبل أن يزيد عددهم بشكل مهول إلى الذروة ساعة الظهر وما بعده.
تشبع الزرافة فيملأ لها الصفيحة بماء نقي بارد من البئر كما تشتهيه..
مرت شهور كثيرة هكذا، نهارات طويلة ونهارات قصيرة، صباحات مشمسة، وأخرى مطيرة. لكن، لاشيء استطاع أن يمنعه يوما من الحضور باكرا جدا قبل جميع الموظفين، والخروج متأخرا جدا بعد جميع الموظفين حين يناديه الحارس بغتة نداء قلقا في عتمة المساء من وراء السياج ليغادر قبل أن يغلق عليه الحديقة. كان يأمل في نفسه باستمرار أن ينسوه ذات يوم، أن يتركوه وشأنه، أن يغلقوا عليه باب الحديقة، ليبيت هناك، قرب زرافته.
تطورت علاقتهما كثيرا هكذا مع الوقت، بسبب شكل الزرافة ورقتها الأقرب إلى الرومنسية منها إلى زرافة، وبسبب وحدته الكبيرة وضيقه الكامل من الناس وفضولهم وتدخلهم الدائم فيما لا يعنيهم.
أصبح يشعر تجاه الزرافة بأحاسيس أكبر، ويشتاق إليها أكثر ليلا، ويراها في كل أحلامه منتصبة بعنقها الجميل الطويل الممشوق تنظر إليه وتبتسم له. حين يتحدث الناس في السوق أمام بائع خضار عن أشياء تهمهم، عن عائلاتهم، عن الأسعار المرتفعة، وعن أخبار العالم، كان يحدثهم هو عن الزرافة فلا يفهمون حديثه أبدا فيتفرقون.
أصبحت تتملكه في اتجاه الزرافة رغبة تفوق مجرد رغبة شخص يعتني بزرافة في حديقة فقط ويتقاضى مقابل ذلك أجرة شهرية معقولة، بل رغبة أخرى مبهمة تستحوذ عليه، رغبة ملحة جعلت قلبه يخفق مرارا وباله يسرح بعيدا وأفكاره تشرد فلا يقطع شرودها إلا التنهدات وهو يسمع موسيقى المذياع الشجية في البيت: أن يتزوجها.
أن يأخذها معه إلى البيت، وأن يريها غرفته وسريره وصوره بالأبيض والأسود المعلقة على الحائط. أرادها أن تعتني به وبأثاثه القليل المترامي هنا وهناك كأشلاء قنبلة، أن تطوي ثيابه بحنّية بعد تصبينها، وأن تطبخ له الأكلات اللذيذة التي تطبخها الزوجات عادة لأزواجهن.
حين كانت تلحس وجهه أحيانا وتمشي أمامه اعتبر ذلك دعوة واضحة منها للحب، لاقترابه منها واحتضانها وتقبيلها وبث كل لواعج قلبه تجاهها في جسدها الرقيق وروحها الحامية. كان يقترب منها عازما على ذلك لكنه كان يجدها طويلة أكثر من اللازم، لا يمكنه أن يعانق إلا ساقها، فيصاب بخيبة شديدة. كان ينهار تقريبا، مفكرا في ظروفه الصعبة هذه تجاه حبيبته.
ذات يوم وهو يفكر مهموما، وقد نبتت له ذقن لمدة أسبوعين على غير العادة دون أن يهتم بحلاقتها رغم أن ذلك مخالف لشروط وقوانين الحديقة، لمعت في ذهنه فجأة فكرة عبقرية: أن يستعين في عناق الزرافة بسلم العلف. كاد يطير من الفرح، أخيرا لم تعد تبدو له تلك المشاكل التي بدت له قبل قليل فقط مستحيلة الحل، أخيرا بدت له مشاكل عادية جدا تلاقي كل عاشق تجاه معشوقته، بل بدت له حقا مشاكل مضحكة إلى درجة أنه قهقه بصوت مرتفع بطريقة وحركات غريبة لفتت انتباه الزرافة التي كانت ساهمة هي أيضا حينها كأنها كانت تفكر باستغراق في حلول مستحيلة. قام من على التلة بتحمس شديد، قصد السلم مباشرة، رأت الزرافة ذلك فقامت هي أيضا، كانت تعرف جيدا أن السلم يعني العلف. ثبّت السلم في مكانه فجاءت الزرافة لتلحس وجهه وشعره وهو يصعد الدرجات ويداعبها مبتسما لها ابتسامة عريضة جدا تصل من طرف أذنه حتى طرف أذنه الأخرى. فهم أن الزرافة فهمت فكرة السلم. صعد حتى أصبح وجهه موازيا لوجهها، لكنه لم يكن يحمل كرتونة العلف في يده. تشممت الزرافة وجهه وثيابه بلهفة وتشممت سلة العلف الفارغة، لم يكن هناك شيء. كانت هذه هي أول مرة يفعلها بها، يخدعها بهذا الشكل. كان هو يفكر فقط في عناقها من ذلك العلو، عناقا شديدا، وهي لم تكن تفكر سوى في العلف. لم يظهر أنها كانت ستمانع عناقه، لكنها أرادت العلف أولا، مثلما تريد أي عروس الخطبة أولا، والصداق، وخاتم الخطوبة، قبل أي قبلة.
أغمض عينيه وارتمى في اتجاه عنقها لاحتضانها بكل اللهفة الحارقة التي خبأها لها، تراجعت هي قليلا إلى الوراء، كانت تقصد بذلك التراجع بعض الغنج والعتب والتمنع فقط، لكن تمنع الزرافة يكون بجم طولها. سقط من ذلك العلو الشاهق كدلو فارغ ليعانق الأرض، لتنكسر ذراعه، وينغرس وجهه في التراب.
رآه مستخدم آخر يعتني بالفِيَلة المجاورة لمساحة الزرافة فبلغ عنه الإدارة، قال في وشايته إنه قد رأى بعينيه فلانا يحاول اغتصاب الزرافة.
وجدوه ملقى على الأرض بذراع مكسورة فكان ذلك إثباتا حقيقيا ضده. عقدوا اجتماعا طارئا وطردوه من العمل دون أن يؤدوا له أتعابه.
لم ينم تلك الليلة بسبب الجبس في ذراعه وآلام الكسر الرهيبة والحمى، وآلام فراق الزرافة، ورفضها الواضح عناقه. لقد طردوه الآن من العمل. لكن، لم يهمه كثيرا ذلك العمل في حقيقة الأمر بقدر ما همته الزرافة. كيف سيعيش الآن بدونها، ماذا سيفعل طيلة اليوم دون عمل ودون زرافة؟ لا يمكنه تصديق ذلك أو قبوله. بعد أن عثر عليها أخيرا واعتبرها شريكة حياته.
في الصباح عاد بالجبس في يده إلى الحديقة، وقف في طابور الزوار واشترى تذكرة، ركض مباشرة في اتجاه الزرافة. لم يصدق ما رأته عينه: موظف آخر يعتني بالزرافة!
والزرافة تقبل ذلك!
حاول أن يفهم ما يحصل فلم يستطع أن يفهم شيئا، لم يستطع أبدا أن يفهم كيف تحولت حياته هكذا من نعيم ووصال إلى جحيم وهجر. لكنه التمس العذر للزرافة إنها لا تستطيع رفض الموظف، وإنه لا بد لها من شخص يطعمها ويسقيها ماء على الأقل، فآثر سعادتها على سعادة نفسه. أشار للزرافة بيده من هناك، من خلف السياج، لكنها لم تعرفه، نظرت في اتجاه السياج لكنها لم تنظر في اتجاهه هو بالذات بل في اتجاه جمهرة الزوار كلهم.
عاد خائبا كسيرا إلى بيته يجر أذيال الخيبة والأسى وآلام الكسر في ذراعه.
كانت ذقنه قد طالت أكثر بعد أسبوعين من عطالته، وهو ينظر في المرآة لمعت في ذهنه فكرة عبقرية، قال في نفسه: لم تعرفني الزرافة بسبب هذه الذقن الطويلة، وليس بسبب أنها لم تعرفني. عاد إليه بعض الأمل ودبت في عروقه الحياة والنشاط من جديد.
في الصباح الباكر كان هو أول زائر للحديقة، بثياب نظيفة وذقن حليقة وشعر ممشوط. حجز تذكرته وركض في اتجاه الزرافة. وقف خلف السياج وحده. كان موظفو الحديقة الذين يدخلون قبل الزوار بساعة قد أطعموا الحيوانات. رأى الزرافة وحدها في مساحتها دون أن يرى الموظف، أشار لها بيده فنظرت في اتجاهه. كان وحده خلف السياج، لم يكن هناك شخص آخر يقف إلى جانبه ليقول إنها نظرت إلى الشخص الآخر وليس إليه. كان متأكدا أنها تعرفت عليه، أنها تذكرته، أنها اشتاقت إليه كثيرا. اكتحلت عيونه بالدمع، وسيطر عليه حماس شديد لا يمكنه مقاومته، فبدأ بالصراخ بصوت مرتفع والتقافز فرحا: إنها زرافتي، لقد تذكرتني، إنها زرافتي، إنها زرافتي، أعيدوني إلى عملي..
تحلق حوله الزوار بسرعة وهو يصرخ، جاء بعض الحراس ببدلات متشابهة وفي أيديهم هراوات راكضين ليفهموا ماذا حصل، وجدوه يصرخ كالأحمق والأطفال متحلقون حوله. سحبوه بعيدا وهو لا يخطو بل ترك أقدامه تتجرجر على الأرض راسمة خطين متوازيين، صارخا دون توقف: إنها زرافتي، لقد تذكرتني، إنها زرافتي، أعيدوني إلى عملي.. أعيدوني إلى عملي..
ابتعدوا به كثيرا لكن الزرافة رغم ذلك ظلت تظهر من ذلك البعد محدقة فيهم بعنقها الطويل وعينيها الفاتنتين وهم يسحبونه وهو ملتفت في اتجاهها، فصرخ: إنها تحبني، إنها زرافتي، إنها زوجتي، أعيدوني إلى عملي، اسألوها إن لم تصدقوني، اسألوا الزرافة، لقد تذكرتني، اسألوا الزرافة.. اسألوا الزرافة.. اسألوا الزرافة..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*