الرئيسية | فكر ونقد | الأفق الكوني للشعر كمرجعية إستيتيقية للسلام | علي أوعبيشة
لوحة: الفنان التشكيلي عبدالله الهيطوط
لوحة: الفنان التشكيلي عبدالله الهيطوط

الأفق الكوني للشعر كمرجعية إستيتيقية للسلام | علي أوعبيشة

علي أوعبيشة:

علي أوعبيشةتمهيد:

    في عالم يشهد تحولا جذريا في المعرفة والحكم من الجماليات المعيارية ( جمال في مقابل قبح/ معايير ثابتة للفصل والتصنيف…) إلى الجماليات المطلقة (جمال أخيلي مطلق/ نهاية التصنيفات والتقسيمات الجمالية…)، نحتاج إلى الشعر كمنتج إنساني أصيل من شأنه أن يعيد الاعتبار للاستيتيقا وأن يُسْهِم في تهذيب أذواقنا وأحاسيسنا.

     نحن اليوم في عالم إشهاري، تحول فيه كل شيء إلى سلعة، وأصبع لكل شيء ثمن، وهذا النمط الاستهلاكي الذي ساد وترسخ بل وتغلغل إلى شبكات إدراكنا الوجودي والمعرفي، جعل معاييرنا التقليدية آيلة للانهيار، إن لم تكن منهارة فعلا، إذ أصبح من الصعب جدا التمييز بين الجميل والقبيح مثلا، إلى درجة أن كل شيء أصبح جميلا بواسطة أجهزة الميديا (الإعلام) وعناصرها الأثيرية، فحتى مشاهد الموت غدت سلعة مطلوبة ومادة استهلاكية محبوبة ومرغوب فيها، كما أن التمييز بين الخير والشر أيضا أصبح عملا معقدا، إذ أضحينا أسرى عالم ما وراء الخير والشر، عالم لا يستطيع أن يقدم معايير ثابتة للأخلاق (الأخلاق العقلانية أقصد لا الأخلاق الدينية)، كما أن الصواب لم يعد مميزا أو واضحا إذ استحال إلى طرف متذبذب وأساس متردّد وحقل ضبابي من الصعب جدا تمييزه عن نقائضه (الخطأ، الكذب، الإشاعة…).

     إذا كان عالم اليوم على هذا الحال، منتجا للرداءة ومسوقا لها، منتجا كذلك للتفاهة ومدافعا عنها، فإنه من الممكن فعلا أن يلعب الشعر (بمفهومه الحقيقي، وليس مفاهيمه التكسبية والسلطانية…) دور البديل الجديد-القديم الذي بمستطاعه أن يجعلنا نعيد النظر في تمثلاتنا للقيم الإنسانية الضائعة وفي معاييرنا الجمالية والأخلاقية الكونية المنهارة.

     من الممكن القول، بأن السلام لن تقوم له قائمة، إذا ما استند إلى أسس ثقافية أو اجتماعية أو دينية أو لغوية… لأن الصراعات والحروب والتطرف والعنصرية… كلها مظاهر لتجليات تعود في مجملها إلى تقزيم الإنسان في تجلياته الثقافوية الضيقة أو الدينية الأصولية أو العرقية العنصرية أو اللغوية المثالية… لذلك، فحينما دافع الفيلسوف الألماني (كانط) عن السلام في مشروعه من اجل سلام دائم، رادف بين الكونية والسلام، إذ لا يمكن فعلا للإنسان أن يقبل الآخر أو أن يتسامح معه أو أن يؤمن بالسلام كقيمة إنسانية نبيلة ما لم يتعامل مع الإنسان في ذاته ولذاته بوصفه إنسانا وكفى.

يقول كانط في تشريعه للأوامر الأخلاقية الكونية الصورية:

“تصرف على نحو تعامل فيه الإنسانية في شخصك كما في شخص غيرك دائما وأبدا كغاية وليس مجرد وسيلة”.

هذا الأفق الكوني للإنسان، يجعله يتجاوز كل الخلافات الصادرة عن الثقافة أو المجتمع أو الدين أو اللغة أو الوطن… و من شأن الشعر أن يُسهم في تكريس هذا الأفق الكوني.

كونية الشعر:

ولأن الشعر منتج لا وطن له ( ليس شوفينيا) ولا دين له (ليس متطرفا) ولا عرق له (ليس عنصريا) ولا لغة له (لا يقيم المفاضلة بين اللغات.)… بإمكانه أن يجعل الإنسانية جمعاء تجتمع على تذوق الجمال في أبلغ معانيه ورهافة الإحساس في أعمق تجلياته.

هذا الطابع الكوني للشعر، يجعل المتلقي يسمو بذاته من الخصوصية إلى الكونية، ويفكر في الإنسان في ذاته ولذاته، بشكل صوري وموضوعي (وهنا تتحوّل الأحاسيس إلى عناصر شبه نظرية، فتهجر الوجدان لتسكن منطق الإنسان)، وهذا ما يحتاجه مفهوم السلام.

تأسيسا على هذا فالسلام لا يمكن أن يتحقق فقط بالقوانين والتشريعات والتصريحات السياسية، بل يحتاج أكثر إلى تربية جمالية إنسانية، يلعب فيها الشعر دورا أساسيا في تنمية الأفق الاجتماعي للأفراد من التجمعات المنغلقة صوب المجتمع الإنساني بأكمله، وكذا أفقهم الجمالي من المعايير الثقافوية الضيقة نحو المعايير الإنسانية الواسعة.

كونية الإحساس:

كونية الشعر إذا، من كونية موضوعه، فالإحساس بوصفه موضوعا للشعر وذاتا في نفس الآن لا يمكن توطينه أو تأطيره أو مأسسته أو تجنيسه… وكل محاولة ترمي إلى ذلك، تقتل الشعر. ذلك لأن ماهية الشعر في طابعه الكوني والمتعالي عن كل الانتماءات والتوجُّهات والإطارات… إنه فن الإمكان، الذي يبحث دائما عن الفضاءات والتصورات الرحبة، وكل إنتاج شعري يجد ضالّته في الضيق بجميع أشكاله يولد ميتا أو على الأقل مع وقت التنفيذ، لهذا فالشعر، إما أن يكون كونيا أو لا يكون شعرا بإطلاق.

   الإحساس إذن هو البوابة المثالية للكونية، فالقلق والحزن والفرح والأمل والحب والحنين والشوق والكآبة والوحدة والغربة والألم والحيرة… كلها أحاسيس إنسانية كونية، يشعر بها كل فرد كيفما كانت لغته أو دينه أو موطنه أو عرقه…، لهذا فلا يمكن تأسيس الكونية كمطلب إنساني فكري عميق بالعناصر النظرية فقط، أي لا يمكن التأسيس لها تأسيسا نظريا صرفا، بل على العكس من ذلك يمكن أن نجد في المشرك الإنساني (المعطى) مرجعية للتأسيس للكونية، لكن شريطة تدعيم هذا الإحساس الفطري في الإنسان بتربية جمالية منفتحة ومتنورة، تعلّم الإنسان كيف ينظم دواخله، ليرى العالم الخارجي، وكيف يقدّر فوضاه الباطنية، كي يتقبّل فوضى العالم.

تحتاج الإنسانية للسلام إذا، كحاجتها للشعر، وكلاهما استحقاق، يتمان بالبناء وبذل الجهد، وليس شيئين فطريين أو جاهزين، فكما يحتاج الإنسان للقيم لكي يتآنسن يحتاج أيضا السلام للشعر ليسلم من عيوب الخصوصيات.

   فالشعر يعمل على تهذيب غرائزنا العدوانية، كما يعمل على تهذيب ذوقنا بتعليمنا معنى الجمال… بهذا الشكل تصبح ذواتنا مرهفة الأوتار، تشعر بأدق التقسيمات والفواصل والحدود،فعاشق الشعر، شاعرا كان أو متلقيا، لا يمكن له أن يجرح كرامة شخص ما أو أن يخون أو أن يجرم في حق الأبرياء أو أن يستعمل شخصا ما كمجرد وسيلة أو أن يخندق نفسه في صراعات ضيقة أو أن يتطرّف للغته أو دينه أو بلده… إلا إذا كان شعره تكسبيا أو يبتغي إرضاء السلطان.

عاشق الشعر، مواطن كوني.

” لايسكن المرء بلادا بل يسكن لغة ذلك هو الوطن ولا شيء غيره” قالها سيوران وإذا سمح لنا بتحريف عبارته، يجوز لنا القول: ” لا يسكن المرء بلادا بل يسكن شعرا ذلك هو الوطن ولا شيء غيره”.

 

أعدت هذه الورقة كمداخلة ضمن ندوة “المنتج الشعري ثقافةٌ للسلام” ضمن فعاليات المهرجان الدولي للشعر بتيفلت أبريل2015.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*