الرئيسية | سرديات | الثعبان الأسود | محمد محمد مستجاب
محمد محمد مستجاب

الثعبان الأسود | محمد محمد مستجاب

 محمد محمد مستجاب (مصر):

 

انطلق الوقت، ففي الواحدة إلا سبع دقائق، تمكن سمعان من إزاحة جريد النخلة، وتقليم أشواكها، حيث صنع طريقا ضيقا يتيح له الوصول إلى البلح، بعدها بدقيقتين، تحرك السيد دافيد راونس من مكتبه المطل على ميدان سليمان باشا، في يده اليسرى زجاجة خمر، وفى اليمنى كتاب عن حضارة الأنكا، وقبل الواحدة بدقيقة، انتهى الدكتور ج.ل.بيردل من شرح العلاقة الميكانيكية بين الضغط الجوى وعضلات الصدر، وبدأ يوصى طلبته بمراعاة الإطلاع على بحث هندى فى هذا الشأن نشر أخيرا، وعند وصول الوقت إلى الواحدة ظهراً، استطاع سمعان أن يعتلى سباطات البلح، وبدأ يجنى الثمر، بعدها بربع دقيقة تخشبت أصابع وذراع وفم وعيون سمعان حيث يواجهه ثعبان أسود، اهتزت رقبة سمعان، وانفتح فمه صارخا – صارخا، والثعبان يتلوى ويرمقه في تحفز رافعاً رأسه إلى أعلى، ورددت شواشى النخيل الصدى، فقط الصدى.

وفى الواحدة وعشرين دقيقة قتل رعاع الباطنية امرأة انحرفت عن بيع المخدرات، وقبل ذلك بسبعة عشر دقيقة ظل ساعي بريد متقاعد، يتوسل إلى بائع فى محل أحذية، كى يوافق على تغيير الحذاء المشترى منه صباحا،وعند اقتراب الساعة من الواحدة ودقيقتين تماماً ارتد الصدى، ثم قام الثعبان الأسود مبتسماً بالقفز على جبهة سمعان، بعدها بدقيقة، اجتاحت سيارة رقم 6815 ملاكى القاهرة- حقل فجل المزارع درويش وخرجت من الناحية الأخرى سالمة، وفى الواحدة إلا أربع دقائق: تسلمت السيدة المقيمة بالطابق الخامس مظروفا يحوى مجموعة من صورها المختلسة لها في أوضاع مخلة، ودفعت مبلغ كبير من المال.

 وتقدم الوقت تسع دقائق أخرى، أي عند الواحدة وخمس دقائق، أصبح سمعان جثه هامدة أسفل النخلة، التى يرقد فوقها ثعبان أسود عظيم، وفى الواحدة وعشرين دقيقة، وضعت يمامة أولى بيضتيها في شق مئذنة جامع الأمير جعفر، وبعدها بثلاث دقائق، امتطى الصديق رانكلز حجرا مهجورا بين الأهرامات وظل يقبله في وله دامع، وقبل ذلك بثلاثة عشر دقيقة، أطلق فلاح أجير يعمل في أرض بجوار النخلة الصراخ وقال:

– سمعان مات…

***

ارتبك الوقت، وانداح الصراخ في أرجاء القرية فبعثرها، وانتكس ظل شموخ النخلة وشواشيها على جسد سمعان الملقى أسفلها،بعدها بثماني دقائق حدث الآتي: انفتح باب خيمة فى أبى غضون وخرجت امرأة سوداء تسحب خلفها جثه قرينها، وهاجم جمل شوارع سنورس حيث فتك برجل مسن وملاحظ طرق وطفلتين، ونجح السيد عبد الرءوف فى ثقب حائط جارته، وفى الواحدة والنصف إلا خمس دقائق أهالت أخت سمعان التراب على رأسها، وقبلها بخمس عشرة دقيقة تجمع كل من محمود ومختار، وشلبى وزوجته وابنتهم، وحماران وعنزة وثلاثة كلاب ضالة على الجسد المسجى، وعند منتصف الواحدة وثلاث دقائق اشتعلت النار في مطبعة الحاج عبد الشافى بالعمرانية، وبعدها بدقيقتين انهار بيت فى حارة محروس بباب الشعرية، ولم يصب أحد، وفى الثانية إلا عشر دقائق أطلق الحكم صفارة بدء مباراة بين فريقي الترسانة والكروم، وفى الثانية وخمس عشرة دقيقة مزقت ابنة سمعان جلبابها، فغطاها أحمد أبو فراج بجلبابه ووقف عارياً بسرواله المتهرئ، وبعدها بدقيقتين ونصف لطمت عمته صدغيها حتى تورما، وبعد ذلك بثماني عشر دقيقة ضغط سائق السيارة الزل نقل بورسعيد على الفرامل لكن السيارة لم تتوقف، وقبلها بدقيقة واحدة تقدم السيد سعيد الجمل يحمل زهرة مبتسماً إلى مدام فاتن رئيسته فى العمل لبلوغها سن المعاش، وفى الثانية إلا عشرين دقيقة غرق ثلاثة أطفال في ترعة الزمر أثناء عودتهم من المدرسة، وفى نفس الدقيقة أيضا: انفجر جرو أسفل عجلات الأتوبيس رقم 17 خط المنيب – السيدة زينب، وبعدها بدقيقتين تمرغت خالة سمعان في ساحة الدار ملتاعة، وشحنت عمته صوتها بكل أثار الحزن لتصبها في قلب سويقة القرية، وقبلها بست دقائق ارتفع سعر بعض المواد التموينية، وفى اللحظة التي حاول فيها العقرب الصغير الفرار من مراقبه العقرب الكبير، أى عند اقتراب الوقت من الثالثة كان الصراخ قد شتت هدوء القرية، وتجمعت عائلة سمعان وجيرانه ومعظم القرية على جسده، وغفى الثعبان الأسود في سعادة على أنغام: صراخ النساء وعويل العيال ونحيب الرجال، ورفعت القرية حالة الحزن.

***

توتر الوقت أكثر، ففي الثانية تماما، انصرف الأستاذ شاكر عبد الحميد من مقر عمله، وتوجه إلى منزل حماته للغداء في منطقة الأهرام، وبعدها بست دقائق عبث الحاج رجب تاجر الغلال بمنطقة الطالبية في ذقنه، وداهمته فكرة زيارة أخته في القلعة، وكل لحظة تمر بعد الثالثة، تسحب خلفها الناس من الغيطان والبيوت، والصراخ من الأفواه، ونحيب أم سمعان يشرخ الكون، وفزع عم سمعان، وتهتكت الكلمات الحزينة فى قاع الحلق، ولم تخرج كلمات، مجرد حروف لا يربط السابق فيها باللاحق إلا تهتهة عواء ممطوطة متوترة، وقبل أن تفيق القرية من صدمتها على سمعان فقدت أمه الكلام، وذلك في الثالثة وثلاث وعشرين دقيقة، وقبلها بست دقائق، أطلق الرائد أسامة التونى من قسم شرطة قصر النيل، النار على تاجر حشيش في منطقة منشأة البكارى غرب حي الهرم، ولكن الطلقات طاشت وثقبت بطن أم تعول ثلاثة أطفال.

***

وهرولت عقارب الساعة لتصل إلى الثانية وأربعين دقيقة، حيث تجمع بعض الغمام فوق دير العذراء بسيناء، وعند هروب عقارب الساعة من مجال الساعة الثالثة، أي في الرابعة ودقيقة، سحبت الصدمة الناس والبهائم والذباب والكلاب من الغيطان والشوارع، وألقت بهم أسفل النخلة على الجسد المسجى، وفى ثوان معدودة تحلق الخلق حول النخلة، لم يبقَ كائن في القرية وحيداً، الكل هنا، ووجوههم تلف الجثة، وأصواتهم تشرخ صمت الموت الجاثم على جسد سمعان، ثم ارتد الوقت ليقف عند الثالثة تماماً، حيث تحركت يد الأستاذ محمد لتضبط مؤشر الراديو على محطة إذاعة لندن، وبعدها بعشرين دقيقة زار وفد من اليابان منطقة آثار سقارة، وعندما أرهق العقرب الكبير، استراح عند الرابعة وخمس وخمسين دقيقة، فتعلقت في الأسماع نهنهات ضئيلة باكية وسط الجموع، وبدأ شاب ينتحب، فسحبه زميلان للخلف، واخترق كلب مار بالصدفة، حلقة التجمع ومرق إلى منطقة خالية ناظرا إلى التجمع، وقصد قادوس ساقية فراج المحطمة، وحك ظهره، ثم رفع القدم اليسرى الخلفية وبدأ في إرواء الساقية، وبعدها بأربع دقائق أي في الرابعة وتسعٍ وخمسين دقيقة تماما رزقت السيدة فايزة جمال حرم العامل شعبان يوسف بتوأمين ذكور، وفى نفس الدقيقة تقريبا حاول الأستاذ شلبى جار السيد مرسى أن يصلح بين الحاج سعيد وزوجته أم ليلى، وبعدها بنصف دقيقة مد الشاب ذكريا ياسين يده في يد صهره الحاج عبد الجليل لقراءة فاتحة كريمته، وقبلها بثلاث دقائق هرب ثلاثة مساجين من زنزانة مركز القوصية بأسيوط، وفى الرابعة وست دقائق شهقت السيدة نادية عندما قذفت (طشه) الملوخية في النار، وفتحت نافذة مطبخها كي يشم الجيران الرائحة.

***

 زحف الوقت كي يدخل مجال الساعة الخامسة والنصف، حيث تعاونت الشمس والغمام مع حزن القرية، فأراقت حمرة حزينة دامية لصراخها، وبعدها بدقيقتين ونصف بثت إذاعة صوت العرب أغنية ( خلاص مسافر) للمطربة شادية، وحملت القرية نعش سمعان، والتراب يملأ الجو وصراخ الوداع يتعالى، واخترقت الدرب، والدرب ضيق، وواحدٌ يمتطى جحشاً محملا بالبوص قادمٌ يسد الدرب، فاضطرت الجموع أن تتباطأ حتى انفجر صدرها الحزين.

انفرط الوقت من مجال مناورة العقارب، وارتد إلى الثالثة إلا خمس عشرة دقيقة حيث: قلب أبو مينا الطبلية على رأس زوجته، وتهدم جزء من سور مسجد الحنفى بالناصرية، وزعق عسكرى المرور في امرأة لعدم تنفيذ التعليمات، فتوقفت وبصقت عليه ولعنته هو ورؤساءه ومضت.

***

انفجر الوقت وارتبكت العقارب، كي تدخل مجال الساعة السادسة، فأسرع أحد الرجال وجذب قيادة الجحش من يد راكبه، ولما لم يتحرك الجحش، نزل أحدهم على مؤخرة الجحش ضربا، اهتز الجحش ووقع الراكب وانهارت الحمولة وتحتها الراكب على الأرض، ومر عليه النعش والحمالون والجموع والرجل يصرخ أسفل الحمولة، وقبلها بسبعة عشر دقيقة، أطلقت نجلاء عبد الله أول صرخات المخاض، وقبلها أيضا بدقيقة سقط براز حمامة بيضاء على كتف السيد خضر فابتسم وعرف أنه سيرزق قريباً.

***

وأخيراً، حاولت العقارب أن تتماسك وتهدئ من هرولة الوقت، فقال العقرب الكبير للصغير: من يطؤنا لا يعرف الراحة، واخترقت الجموع الطريق إلى الجبانة، وأنغام الصراخ والنحيب تتصاعد لتحيى الرب وهو يسترد وديعته، وارتبك الطريق وارتد كل الشجر والنخل إلى الخلف، واحتضنهم الصمت الملعون، وظهرت أول نجمة في السماء، وجمد الوقت وتوقف، وهمدت القرية وكمنت على عتبات القبور، وبدأت الملائكة تمارس عملها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*