الرئيسية | فكر ونقد | السخرقراطية | قيسامي الحسين
السخرية

السخرقراطية | قيسامي الحسين

يسامي الحسين:

قيسامي الحسينفي إطار المتغيرات والتطورات التي يمر منها الأدب الساخر في العالم العربي وانسجاما  مع كيفية اختيار الألفاظ وأدوات التوصيل والتواصل في أفق البحث في ميدان السخرية لابد أن يكون هذا المصطلح خاضعا باستمرار للاختبار والتقويم والمراجعة والمثقافة والمفاكرة والمعايرة، والتطوير في الوسائل، وإعادة النظر، ليكون مؤهلا للتجدد والتجديد واستيعاب المتغيرات، وإبداع الوسائل الملائمة لكيفية التعامل معه.

ارتأينا إذن البحث في إغناء الأدب الساخر بمفردات خصبة ومرنة تحول دون انحباس المعاني أو ابتسارها، وتمنح العقل الرحابة والانطلاق في التفكير في فضاء عالم السخرية، علما أننا نعيش اليوم في زمن الذلقراطية بامتياز، عصر الانحطاط والمهانة وفقدان الثقة في كل شيء، إنه زمن الشعوب وثورة العقول.

تعيش التجربة السياسية في العالم العربي حالة غريبة من الاحتقان بسبب غياب شامل وكلي لنموذج الدولة الحديثة التي تقوم على أساس الديمقراطية وسلطة المؤسسات، الشيء الذي تولد عنه ربيع الثورة العربي من خلال رهانه على أن السلطة والسيادة هي حتما سلطة وسيادة الشعوب. هذه السلطة لابد أن تواكبها سلطة ثقافية و أدبية على غرار مبادرتنا في إبداع كلمة جديدة لتعزيز البحث في الأدب الساخر ويتعلق الأمر ب  “السخرقراطية” التي هي قوة السخرية أو سلطة السخرية في زمن البيروقراطية و الذلقراطية.

تعد ”سلطة السخرية” قدرة الكاتب على إحداث تغيير ملموس في تصورات المتلقي وآراءه ومن ثم تبنيه لقناعات جديدة. وللكاتب الساخر سلطة كبيرة في بناء قناعة جديدة لدى المتلقي من خلال الاستراتيجية الحجاجية التي ينتهجها في سبك المقالات والنصوص.

يوفر الفضاء الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي مساحة مهمة تذيب فيها الفوارق بين الكاتب والقارئ، وتفكك سلطة الكاتب المركزية كمنتِج للمعنى. انخراط الناس في السخرية في حياتهم اليومية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، ستجعل من السخرية عملية شديدة اللامركزية يستحيل تقويضها والسيطرة عليها. كتب الفيلسوف الفرنسي رولان بارت مقالاً عام 1967، بعنوان «وفاة الكاتب»، انتقد فيه أسلوب النقد الأدبي، الذي يضع الكاتب كمركز للمعنى، ويطرح تصور بديل يتمثل في القارئ الذي هو مركز المعنى، ويعني بارت بموت الكاتب انتهاء وضعه كمركز للمعنى. ومن هنا تبقى السخرقراطية قوة تعطي للجميع لا مركزية في الرأي وبالتالي لا مركزية السخرية: القارئ مسلح بسلطة كبيرة تأخذ الكثير من سلطات الكاتب وتعطيها للقارئ. إنه تسونامي السخرية كمجموعة من الأمواج العاتبة تنشأ من تحرك مساحة كبيرة من الابداعات. ونتيجة لذلك الكم الهائل من الطاقة الشعبية الناجمة عن التحرك، تكون آثار سلطة السخرية مدمرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*