الرئيسية | شعر | الشعر المغربي والانعطافة النسقية الجديدة | نور الدين الزويتني
نور الدين الزويتني
نور الدين الزويتني

الشعر المغربي والانعطافة النسقية الجديدة | نور الدين الزويتني

نور الدين الزويتني (المغرب):

 

يعرف الشعر العربي اليوم مرحلة زاهية جدا، وذلك على مستوى كل البلدان العربية، بل يمكن الحديث عن طفرة جديدة شبيهة بطفرة التجديد التي شهدتها الستينات. وإذا كان النقاد دأبوا على ربط طفرة الستينات بعوامل ثقافية وسياسية أساسا مثل نكسة حزيران 1967، فإن هذه الفورة الشعرية الحالية يمكن تأطيرها والتأريخ لها بالطفرة المعلوماتية والتواصلية الكبيرة التي يعرفها عالمنا المعاصر.

لكن إذا كانت طفرة الستينات الشعرية قد همت بالأساس المشرق العربي لعدة عوامل تاريخية وثقافية وسياسية، وجعلت من بلدان عربية كالعراق ومصر وسوريا ولبنان بلدانا رائدة على مستوى التجديد والانتشار الشعري، ورافعة للوعي الشعري الجديد في باقي الأقطار العربية خصوصا بلدان المغرب العربي، فإن الطفرة الشعرية الجديدة همت كل الأقطار العربية بشكل متواز جدا..حيث نلاحظ اليوم بشكل ملموس غياب المركزية المشرقية التي هيمنت بظلها على المشهد الشعري لعقود كثيرة. بل يمكن القول أن المركز نفسه تشظى بشكل رهيب جدا. ينبغي أن لا ننسى أن المركزية التي نتكلم عنها كانت مركزية تراتبية، بمعنى أنها كانت مؤسسة على هيمنة الإعلام الورقي كمجال إنتاج ثقافي تتحكم في وسائل إنتاجه نخبة ثقافية معينة تسهر بعناية على ترتيب المشهد الثقافي حسب شروط واعية إرادية وغير واعية يصعب الدخول في تفصيلها الآن…

في هذا الإطار العام يمكن أيضا الحديث عن الفورة الشعرية التي تعرفها بلدان المغرب العربي والتي يمكن ملاحظتها في المستوى العالي للنصوص التي ينشرها شعراء هذه البلدان على مواقعهم وصفحاتهم الخاصة، وأيضا في ما تنشره لهم مجلات إلكترونية رائدة كمجلة أتارغاتيس، ومجلة ك ت ب، ومجلة أفق الشعر المغربي، ومجلة قصيدة النثر، ومجلة الكلمة وغيرها.

المغرب الأقصى لا يشذ عن هذه الفورة التي بدأت معالمها في الاتضاح تماما ابتداء من العشرية الثانية للقرن الواحد والعشرين، حيث لاحظت بهذا الخصوص ومنذ بداية العشرية المذكورة شيئين هامين: أولهما ظهور انعطافة نسقية  Paradigm shiftجديدة وعميقة حتى لا أقول جذرية على مستوى الحساسية الشعرية في المغرب، وهي انعطافة قد لا يكاد يراها المنغمسون إلى العنق في النسق القديم. هذه الانعطافة النسقية تتسم بحساسيات وجماليات وانشغالات جديدة جدا وغريبة عن جماليات وحساسيات الأجيال السابقة التي كان يتم تصنيفها فيما قبل بشكل أجيالي، وهي في الحقيقة أجيال ثلاثة، جيل السبعينات وجيل  الثمانينات وجيل التسعينات ثم بعد ذلك إرهاصات وبداية الطوفان المعلوماتي التواصلي.

يمكن رصد هذه الجماليات والاشتغالات الجديدة على مستوى اللغة البسيطة والثيمات اليومية المتداولة والرؤية التي يغلب عليها مرح المكاشفة والاحتفال بالذات والعلاقات الصغيرة مع الأشياء، وأيضا اللعب بالكلمات والأشياء والرؤى بكل ما يعني اللعب من شغب وشقاوة ونزق، بعيدا عن رصانة أجيال السبعينات والثمانينات خصوصا، وأنماط تصوراتهم العليا Archetypes من قبيل الشاعر الملتزم سياسيا، الشاعر النبي، أو الرائي أو الزعيم أو الحكيم أو الرائد أو غير ذلك من أنماط كانت تحكم متخيل تلك الأجيال وما سبقها من أجيال هي أيضا. وقد انتبه الكثير من النقاد العرب الشباب خصوصا المتتبعين للإبداع الشعري الرقمي إلى هذه الحيوية والكثافة التي باتت تطبع الإبداع الشعري المغربي الذي لا تكاد تخلو منه مجلة أدبية اليوم.

الأمر الثاني الذي لاحظته مع ابتداء العشرية الثانية من القرن العشرين هو بزوغ أسماء شعرية جديدة سجلت حضورها الشعري بعنفوان قوي على الساحة. أذكر منها بشكل اعتباطي وعلى سبيل المثال لا الحصر الشعراء عبد الإله المويسي، محمد مقصيدي، عبد اللطيف الوراري، فاطمة الزهراء بنيس، سامح درويش، كريمة نضير، محمد بنميلود، محمد كنوف، يونس الحيول، نجيب مبارك، عبد الرحيم الصايل، دامي عمر، وداد بنموسى، عزالدين بوركة، حسن بولهويشات، لحسن هبوز، حسنة أولهاشمي، حسن حجازي، نزار كربوط، علية الإدريسي البوزيدي، هادي السعيد، عبد الله بلحاج، واللائحة طويلة..  إذ يكفي أن تقرا نصوص هؤلاء حتى تدرك حجم وعمق الانعطافة المفصلية التي تميز اللحظة الشعرية الراهنة بالمغرب. شعراء تسكنهم انشغالات بعيدة جدا عن الانشغالات التي كانت متداولة لدى الأجيال السابقة من اهتمام بالنشر الورقي الذي لم يعد أغلب هؤلاء الجدد يعيرونه انتباها، أو انتزاع اعتراف من أب أو أخ شعري، أو ولاء لجهة ما.

إنهم آباء وإخوة أنفسهم. لا يدينون بالولاء إلا لتكنولوجيا الوسائط المتعددة التي منحتهم الحرية والاستقلالية والوسائل لتحقيق ذواتهم الشعرية كما لم يتح لشاعر تحقيقها من قبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*