الرئيسية | أدب وفن | الشعر بين الكتابة والتشكيل: عزيز أزغاي وفؤاد الشردودي، أنموذجا.
شردودي وأزغاي

الشعر بين الكتابة والتشكيل: عزيز أزغاي وفؤاد الشردودي، أنموذجا.

عزالدين بوركة

عزالدين بوركة

عزالدين بوركة

الكتابة والتشكيل، أي علاقة تجمع بينهما؟ وكيف لهما أن يجتمعا؟..

الكتابة هي رسمُ (التعبير عن) الأفكار عبر رموزٍ لغوية قابلةٍ للقراءة.. فأداة الكتابة هي اللغة. والرسم (التشكيل) هو أيضا تعبير عن الأفكار ورسمها بالألوان.. فأداة الرسم هي اللون. فكلا الرسم /(التشكيل بالمعنى الشمولي) والكتابة يشتركان في كونهما محاولة لرسم الأفكار وإن اختلفا في الطريقة. فالناظم –بالتالي- بينهما هي الأفكار التي يُكوّنُها الإنسان في مخيّلته عن العالم.. فنقول –إذن- أن كلا التشكيل والكتابة ما هما إلا إعادة صياغة الأفكار ونقلها من عالمها الميتافيزيقي، وصياغتها على السند، إلى عالم مرئي مقروء المفردات.
عرف الأدب العربي الحديث مجموعة من الأسماء (على قلتها) التي زاوجت بين الكتابة والرسم (التشكيل) في عالمنا العربي، فقد “كان الروائي جبرا إبراهيم جبرا يرسم في بداية حياته الفنية ببغداد ويكتب عن الرسم، كذلك الرسام العراقي شاكر حسن آل سعيد، أما الشاعر الراحل بلند الحيدري، صديق جبرا، فكان يجمع بين الشعر والكتابة عن الرسم، من هذا اغتنت الحركة التشكيلية العربية بكتابات قاربت للبعد التقني والتاريخي والجمالية.”1.
عالميا، فنانون كثر هم الذين كتبوا أو ألفوا في التشكيل والرسم، نذكر منهم كتاب (خمسون سرا سحريا) للفنان التشكيلي السريالي الاسباني سرفادور دالي، وكتاب (من الثورة للنهضة) للفنان الفرنسي ماتيو، وكتاب (ممارسة الفن) للاسباني الآخر أنطوني طابييس، وكاتب (الروحانية في الفن) للفنان التجريدي الروسي فاسلي كاندانسكي… إلخ.
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، ظهر في المغرب عديد من التشكيليين المغاربة الذين أخذوا على عاتقهم مهمة الكتابة في/عن الفن التشكيلي، وذلك بعد فراغ مهيب عرفته الساحة التشكيلية المغربية، من نقص واضح لمتتبعي الفن التشكيلي من كتاب ونقاده.. هذا النقص الذي كان سببه تزايد ملحوظ لعدد التشكيليين وثبات في عدد الكتاب المهتمين، وإن سبق وحاول ملأه، سنوات السبعينيات والثمانينيات، من خلال ملاحق لجرائد ومجلات وطنية (أنفاس، الاتحاد الاشتراكي، العلم، المنعطف، le Matin، Libération…)، شعراء عبر قراءات شاعرية للمنتجات الفنية لفنانين مغاربة (محمد بنيس، حسن نجمي، محمد الأشعري… إلخ)، وكذلك كتاب روائيين ومسرحيين مغاربة أضْفوا على الكتاب حول التشكيل لمسة واقعية في القراءة وانطباعية (إدريس الخوري، إدموند عمران المالح، حسن المنيعي… إلخ)، وذلك بمعية مفكرين وباحثين مغاربة وأجانب (غاستون دييل، ألان فلامون، طوني ماريني، موليم العروسي، عبد الكريم الخطابي، خليل المرابط، عبد الرحمن طنكول… إلخ). إلا أن تزايد عدد الفنانين في الساحة التشكيلية، وتطور أعمالهم لتصير في الأفق العالمي، كان لابد من متابعتها وتحليلها وتفكيكها. مما دفع بتشكيليين /نقاد أن يدخلوا معترك الكتابة النقدية، ويقرؤوا أعمالهم وأعمال فنانين آخرين أصدقاء (محمد شبعة، محمد القاسمي، نور الدين فاتحي، شفيق الزكاري، بنيونس عميروش، إبراهيم الحيسن، عزيز أزغاي… إلخ). مما أحدث نوعا من التوازن في الساحة النقدية المغربية، وأعادَ الحياة لمجموعة من الفنانين المنسية أعمالهم..
حاول هؤلاء الفنانين بما استطاعوه من لغةٍ أتقنوها ومعرفةٍ وَعوْها، أن يتناولوا إنتاجاتهم وإنتاجات الفنانين الآخرين ويخرجوها (يترجمونها) من لغة الرسم إلى لغة الحروف.
لكن ماذا عن أن يجتمع الشعر والرسم؟
أستحضر هنا، مع هذا السؤال، تجارب شعرية وأخرى تشكيلية اشتغلت ضمن التجربة الواحدة، الحديث عن الدواوين التي جمعت بين قصائد (لغة) الشعراء ورسومات (لغة) الفنانين. نذكر منها ديوان تفاحة المثلث لعبد الله زيرقة الذي اشتغل على قصائده الفنان التشكيلي عباس الصلادي، وتجربة ديوان “الرياح البنية” لحسن نجمي الذي جمع بين كتابات هذا الشاعر وتخطيطات محمد القاسمي، وغيرها كثير من التجارب..
أما تاريخيا فقد جمعت بين هذين الجنسين علاقة تأثر واضحة في المسار التاريخي للجنسين كالتجارب: الرومانسية والدادائية والسريالية، والواقعية وغيرها من المدارس..
أما ما يهمنا هنا فهي تلك الأسماء التي تجتمع بين الرسم والشعر، أسماء تبدعوا داخل الحقلين بمختلف مفرداتهما، فنقف هنا عند تجربتين تنتميان إلى ما يمكن تسميته بالحساسية الجديدة في الكتابة كما التشكيل، تجربتين تنتميان إلى الحداثة من خلال التجريب والإبداع. الحديث عن عزيز أزغاي وفؤاد شردودي، شاعران-تشكيليان استطاعا بقوة المزج بين هذا الجنسين (الكتابة/الشعر والتشكيل) والنجاح في ذلك.

1- عزيز أزغاي: شعرية اللون وتلوين الشعر

عزيزي أزغاي بمرسمه

عزيزي أزغاي بمرسمه

فنانٌ هو على عادةِ اللون على السند.. لا الأبيض يستهويه، بالمطلق، أو الشكل الواحد للوحة.. التي تتعدد، كما تتعدد القصيدة عنده، من مِطْوالة إلى شَذَرِيّة وَمَضِيّة. الشذرة هي السيمة البارزة في ديوانه الأخير.. الحديث هنا، عن الشاعر والفنان التشكيلي عزيز أزغاي.. وعن ديوانه: أسرى على القماش. الصادر عن منشورات بيت الشعر المغربي لسنة 2015. أما اللوحة فتأخذ المربع الأيقوني شكلا لها في الغالب، غير أنها تتعداه إلى الدائرة وأنصافها واللاشكل أحيانا.
-أبيض وأسود: خبرتي في إهمال الألوان //هي ميراثي الوحيد //من كلّ الخيانات.. //لهذا السبب، //صرت لا ألتفت //جهة الأسرّة الملونة. (ص85).

لوحة لأزغاي

لوحة لأزغاي

يحضر اللون كدال إيقاعي داخل قصائد الديوان.. إنه المعدن الغالي النفيس الذي صُنِعت منه السلاسل الجمالية التي تربط القصائد الشذرية فيما بينها داخل هذا العمل.
-ليس مهما فهم هذه الحرب //وإطلاق الأسرى على القماش، //مادام الليل يعود كل مساء //بموتى جدد //وأشباح يفيضون عن الحاجة. (ص8).
إن أمكننا (عبر النظر) تقسيم اللوحة عنده، إلى ثلاث أقسام (كما يتضح لنا) بمعزل عن السند /الحامل: 1- الأبيض أو الأسود خلفيةً (على السند) مما يعطي انطباعا استيتيقيا للفراغ داخل العمل.. 2- وفرة الصباغة المركبة على السند 3- توظيف رموز مبهمة ومُطَلمَسة… ففي ديوان الأخير، يمكننا أن نقسم القصائد إلى ثلاث إيقاعات (اشتغالات): 1- الاشتغال على اللون كركيزة أساسية داخل الديوان. 2- ذلك الاختلاف الجمالي، من قصيدة إلى أخرى، مما يعطي لكل قصيدة استقلاليتها الخاصة على سابقتها ولاحقتها. 3- تعدد الاستعمال الرمزي داخل القصائد.. فالديوان غائص في عوالِم الدلالات ومعانيها الخفيفة، لا المباشرة.
-بقعة الأسود على القماش //لم تكن خطأ لونيا //ولا كانت زلت فرشاة. //إنما الحكمة في صرير العظام، //الذي كانت تحدثه الحركات الطائشة //في اختبار الحواس. (ص79).
الديوان يشعرك كأنك داخلٌ إلى متحفٍ للفن بتعدد تمثلاته التشكيلية (الرسم، النحت، اللوحة، التركيب، التصميم، التوليف، الكولاج…). فتأخذك تلك المصطلحات الفنية المدجج بها المتن الشعري داخل الديوان، إلى داخل عوالم، حيث تأخذك اللوحة عنده عينها (القماش/ الهندسة/ دوائر/ القطن/ الرسم/ الشمع/ الورق/ مقاسات/ فرشاة/ يُلمّع/ العلامة/ اللطخة/ بلاستيك…).
بالإضافة إلى ثيمات عديدة داخل متن الديوان، لثيمة الموت (هنا نسميها الغياب) حضورٌ باذخ وجميل الصور داخل المتن الشعري في الديوان:
-مجرد تمرين على الكبر، /هذا الذي نسميه أعياد ميلاد، /بينما الحياة تعيد تشذيب طفولتها /عند نهاية السهرة. (ص93).
-أترك الأموات يرتاحون /من فائض الليل، (ص68).

2- فؤاد شردودي: الإمساك بناصية الشعر واللون.

فؤاد شردودي بمرسمه

فؤاد شردودي بمرسمه

“ماسكا ذيل كوكب” آخر إصدارات الشاعر والتشكيلي فؤاد شردودي (1978)، عن بيت الشعر بالمغرب 2015، ديوان عامر باستيتيقات ومفردات شعرية تقترب كل الاقتراب من اللغة التشكيلية ومفرداتها. داخل الديوان لك أن تتفسح وتتنزّه بمرح داخل حقول اللغة المرصعة بروتوشات تشكيلية، قادمة من العالم الخاص بهذا الشاعر-التشكيلي.
-بعِيدا عن كل صَوت كنت أسْمعه لحْظة ولادتِي //أهيِّئُ لسَمائي حوْض سِباحَتها //وأختارُ زاوية صَغيرة //لسَحابة تعرض نفْسَها أمام رسَّامها الأخِير //الذي يخْتار للمَوت ألوَانا زاهِية //كأنَّ الحياةَ ليسَت سِوى ترجمةٍ بِلا أصْل //مثل تفاحَة من زجَاج //الحَياة التي تصعَد قمَّة الجبل //كيْ لا تُفهم خَطأ.
كأني به الشاعر شردودي ينقل مفرداته التشكيلية إلى عالم اللغة الشعرية التي يخيط بها ديوانه الأخير.. الديوان الذي يضم قصيدة مطوالة من 35 مقطعا، ينفتح كل مقطع على تأملات في اللامرئي، وعلى افتتان متجدد بالطبيعة ومجادل لها في الوقت نفسه، في تمددها وانكماشها.
تتعدد الألوان الصباغية التي يوظفها الفنان داخل أعماله التشكيلية، بتعدد صوره الشعرية التي تركّب قصائد ديوانه. فلوحات التشكيلي-الشاعر فواد شردودي هي قصيدة ملونة أو لوحة شعرية –كما يقول الكاتب السوري هاني نديم- يتداخل فيها الانطباع ويتماوج حتى لا تعرف إن كنت تقرأ لوحة أو تستمع إلى موسيقى! كائنات هلامية ذائبة الأطراف والزوايا تتماهي مع قماش اللوحة، وتتناثر على مساحات حرة لا يمكن إلا أن تجمعها أنت كمتلقي وفق مخزونك البصري والمعرفي، فلك أن تقرأها أو تسمعها أو ترقص معها أو حتى تخاف منها.

عمل شردودي

عمل شردودي

تكاد الأجساد تنعدم بالمطلق في أعمال فؤاد شردودي، التجريدية الصباغية منها، إذ يعتمد الفنان بشكل مطلق، في أعماله الأخيرة، على حركية اللون وانسيابيته، وسيلانه، وتقطيره، موظفا أحينا تقنيات التقطير. وإن يحضر الأبيض دائما داخل المنجز لديه، سواءً خلفية أو إضاءة.
التجريدية هنا نوع من الذاتية، نابعة من داخل الفنان لا من الخارج. وهذه الذاتية هي الملاحظ بالإضافة إلى ثيمات أخر، في ديوان الشاعر الأخير، عبر توظيف لضمير المتكلم. هذه الذاتية تمزج بشكل شاعري مع مفردات تشكيلية صرفة عبر صور شعرية باذخة.
-هَل أرسم غيرَ نفسي //في هذه الكرْنيكا القاسِية //مثل بَرد أسوَد يتلذذُ برحيل القِباب //من مَدينة وقتي البيضَاء ؟
-سَأمشي إلى غُرفتي //فقيراً هانئا مثل رِيشة رسَّام //يُخيفُه بياض السَّند //فيُسقط //كلاما عالقا في إحدى أذُنيْه //بِهزة رأس نصْف دائِريَّة //وينكفئُ في سُمِّه المُقدس.
هذا بالإضافة لحضور مائز لمكونات الأربع للحياة، (الماء، الهواء، التراب، النار) داخل الديوان ككل، كمكون أساس داخله:
– حِين أعبر إلى مَاءك مع أشعَّة الصبَاح الجريئة- أُحاول أن أشعل ناراً في حطَبِ اللغة الباردِ – تلهُو الرياح بشَعرها البِدائي – ماسكاً مربَّع غيمة.

1 إدريس الخوري- مقدمة كتاب “في التشكيل الحداثي” لنور الدين فاتحي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*