الرئيسية | سرديات | المعادل الروحي لطائر الكناري | أنيس الرافعي
أنيس الرافعي

المعادل الروحي لطائر الكناري | أنيس الرافعي

أنيس الرافعي (المغرب ):

 

   منذ شرعت في اقتراف القصة القصيرة بوصفها الجمال الذي يفترس أعماقي كالغرغرينا عندما أجد نفسي وحيدا، وأنا أحسبني أكتب ضمن نطاق «أدب–تحت أرضي»، من سجاياه الأثيرة الحرص على وحدته وتمجيد عزلته. معاندة الظهور والابتعاد ما أمكن عن مساقط الضوء.

   أكتب داخل أحيزة هذا الطرز الفنيّ ولا أغادرها، لأنّ القناعة مترسّخة لديّ بأنّ همة المقصد وقيمة الأثر، يحتمل في الموازين الجائرة، ألاّ يكونا دائما على قدر التداول وشيوع الصدى.

   أحدس أنّ ما أكتبه عليه أن يتحصّن بفضائل الاستغناء، وأن يتأبّى على التسليع أو التسويق. يكفيني منه أن لا أفقد ديمومته واستمراريته، لأنه فعلا يرعبني أشدّ الرعب أن تتنصّل مني القدرة على كتابة القصص القصيرة، وغياب هذه القدرة يعني ضياع مهارة الاختفاء وراء الحكايات، وأصبح فجأة عاريا أمام العالم وأعزل أمام مسوخي الداخلية سواء الرسمية أو المؤقتة. فالقصة القصيرة شكّلت بالنسبة لي دائما المعادل الروحي لطائر الكناري. ذلك الطائر الجميل الذي يسبق عادة عامل المنجم للتأكد من خلو الهواء من الغاز السام. الحياة منجم عميق ومليء بالغاز السام، والقصة القصيرة هي منقذي من الاختناق والفوات.

ما أكتبه يكفيني أن يحبه بعض الناس.. ليس كل الناس، فهذا أمر فيه مضرة عظيمة لو يفقه أولو الألباب. أن يحبه الأصدقاء.. كل الأصدقاء، وذلك مبلغ السعادة وغاية المنى لو تعلمون.

هاجسي المؤرق، وأنا أكتب على ضوء المرآة الارتدادية لسيرة التدوين، كون الزمن ما عاد صديقا حميما ونبيلا، ووسواسي الأمضّ فكرة الزوال والتفسّخ. زوال الكائن، وبقاء الكتابة. ترى، أي معنى في هذا؟ وهل ثمّة جدوى في الوصول إلى الأبدية عبر جسر هش من الكلمات ؟!.

في الحقيقة، أنا كاتب فاقد للزهو على شاكلة ميلودرامية. أريد أن أكون دائما فاقدا للزهو وبلا شأن تقريبا. حتى هذه ﺍﻟ«أنا» وددت لو تعافيت منها. إنّها مجرد جلطة دمويّة خبيثة في دماغ النرجسية. لا يد لي لأستكبر بها على الناس. أود أن أكتب دائما أدبا يتراءى على نحو مضلل مجرّدا من الرونق وفاقدا للجاذبية. طعاما سائغا للنسيان وكيانا مثخنا بهزائمه الكثيرة، التي تؤكد له في كلّ مرة وفي كلّ حين فضيلة النقص وفتنة الضعف.

أكتب القصة القصيرة، هذا الفن « المازوشي » بامتياز، الذي يحب حدّ الولع أن يوصم بكونه يائسا وخاملا ومظلوما ومغبونا ومهمشا ومقصيا وكاسدا ومكسور الخاطر. ومتى تصنّع صورة «الضحية» هاته، حتّم عليّ كرها أن أمارسه مثل «عقيدة منبوذة» كما لو كنت أنتمي إلى «سلالة ملعونة» أو «أقلية أدبية».

صحيح تماما، فما أنا إلاّ كاتب أقليات. عضو في حلقة ضيقة أو مجتمع سرّيّ. ألم تكن القصة القصيرة على الدوام منذورة لتمزيق الأصل وخيانة الأهل، ثغاء الأبجدية وزلّة فاتنة في لسان السرد؟!.

   من قال إنّ القصة القصيرة التي أكتبها هي جنس أدبيّ صرف ؟! خاطئ هذا التصور. هي عبادة خاصة مريبة وغير معترف بها. عبادة متحوّلة تردع في كلّ مرة يقينها وتصدق في خيانتها لوحيها، لكن بالمقابل لها سمت حرفة ذات أسرار ونواميس، و أقيسة فقه تحكمه طبائع وصنائع. جمهورها يراعة وحيدة لا قطيع من الثيران، وطقوسها نبراس في السرائر لا قوانين معلنة على اﻟﻤﻺ. شرعة جوانية قبل أن تكون مظهرا، ومنظومة إشراقية قبل أن تكون حادثة أدبية.

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*