الرئيسية | أدب وفن | بنعلي الرباطي الأب الروحي للفن التشكيلي المغربي. | عزالدين بوركة
Mohammed Ben Ali Rbati​, n.d
Mohammed Ben Ali Rbati​, n.d

بنعلي الرباطي الأب الروحي للفن التشكيلي المغربي. | عزالدين بوركة

عزالدين بوركة:

                                      

+إذا وضعنا محمد بن علي الرباطي في إطار الحركة التشكيلية بالمغرب، نجده هو الرائد الأول. – محمد السرغيني.

وُلد محمد بنعلي الرباطي سنة 1861 بالرباط، ورحل عنها إلى طنجة ليستقر هناك وهو ما يزال شابا. بعد مروره من المدرسة القرآنية، وتعلمه للحرف التقليدية على أيدي أحد النجارين. استقر به الحال سنة 1903 خادما، طباخا، عند الرسام البريطاني جون لافري John Lavery الذي اشتهر برسومه للتاج البريطاني، هذا الرسام الذي سيكتشف موهبة بنعلي الرباطي وسيحفزه للسير في هذا الاتجاه وتطويره. بعد سنوات من الخدمة في بيت لافري، هاجر الرباطي ليعرض أعماله بلندن سنة 1916، بدار العرض غوبيل، ليكون هذا الحدث تاريخا لا ينسى في تاريخ التشكيلي المغربي، بكونه أول تظاهرة فنية يعرفها الفن المغربي.

عاد بنعلي إلى طنجة سنة 1922، بعدما عاش قبل الحرب العالمية الأولى بمدينة مرسيليا الفرنسية، ليجنّد في الفترة الممتدة ما بين 1925 و1929 في صفوف الجيش الاسباني. بعد مرور بعض السنوات عن ذلك، وبالضبط عامه 1933 سيتفرغ محمد ب. الرباطي تماما لموهبته، إذ سيجهز في تلك السنة ورشة فنية بالمعايير الفنية الحقيقية برياض السلطان.

لم يعرف محمد بنعلي الرباطي، تعليما أكاديميا في الرسم والفن إلا أن اعتياده على مشاهدة الرسم وتعامله مع عدد كبير من المقيمين البريطانيين بطنجة، واحتكاكه مع الرسام لافري أيقض فيه الرغبة والموهبة للرسم والإبداع رسوماته عبر الألوان المائية التي كانت متاحة له آن ذاك.

يعدّ هذا الرسام أول فنان مغربي قطع مع الفن التقليدي (المنمنمات، الكليغرافية الجافة، والفن التزييني)، لهذا يصعب إدراجه ضمن خانة الفن الفطري أو الساذج، وإن كنا نتحفظ عن هذا المسمى، فأعمال الرباطي تعدّ تركة تاريخية مغربية تؤرخ لمرحلة مهمة في التاريخ المغربي الحديث، ففي تصاويره البهية والدافئة نقرأ تأريخا للحياة اليومية بمدينة طنجة في بداية القرن العشرين. إذ ينقل بنعلي عبر لوحاته الزمن المعاصر له، بشكل مصقول ونظرة تحترم التقاليد. فهو المرتبط بتقاليده منذ أولى رسوماته.

ألوان مائية على ورق، 46 × 62.5 سم

ألوان مائية على ورق، 46 × 62.5 سم

تركز رسوم الرباطي، بالألوان المائية على الورق، على طنجة وقصبتها وسكانها، فلوحاته تصوّر شريحة واسعة من السكان المحليين، وتظهر رجالاً متجمعين حول عازفي الموسيقى أو سحرة الثعابين، ودوائر رواة القصص في القصبة، كما تصف مشاهد في المقاهي والمهرجانات ودواخل المنازل الفخمة. وغالباً ما تكون شخصيات رسومه مبسطة ومحددة بضربات ريشة واضحة، حيث تكشف الخطوط الموضوعة بدقة طيات الجلابات وتسلط الضوء على تألق متعدد الألوان. يظهر العديد من رسومه المائية مجموعات كبيرة من الرجال والنساء، ويتم التركيز غالباً على المشهد العام أكثر منه على التفاصيل الفردية. تتناقض الخطوط الهندسية لجدران المدن والمساجد أو هندسة البلاط المعقدة مع الخطوط المنحنية والانسيابية لشخصياته في ألبستهم التقليدية. تبدو الصور في العديد من أعماله مسطحة تماماً وبدون أبعاد كما تتضمن اللوحات أحياناً زخرفات على حوافها. لكن هنالك أيضاً العديد من اللوحات التي تتعدى النمط المسطح بهدف توثيق أدق للمشاهد التي يراها الفنان. في هذه النماذج، تظهر ظلال كل فرد بشكل واضح مما يدل على تجارب الفنان ودراساته لطرق إظهار الضوء ورسم الأبعاد. في حين توصف رسومه بعبارات توحي بفطرية تعبيره، يشير تنوع معالجة سطح اللوحة إلى اهتمام الفنان بتبسيط الأشكال بصورة متعمدة كجزء من أسلوبه وليس كنقص في موهبته. كان الرباطي يوقع لوحاته باستمرار على الواجهة، ودائماً بالعربية.[i]

Title unknown

ألوان مائية على ورق، 46.5 × 29.5 سم

ينقل لنا محمد بنعلي الرباطي واقعه بشكل فني يتمتع بمهارة في الرسم ودقة في التصوير، تبعده عن الفن الفطري، وتقربه إلى أن يكون الأب الروحي للفن المغربي الحديث، لكونه أول فنان مغربي اعتمد على الحامل chevalet في رسوماته، التي تتمتع بالدقة والحركة والخطوط، لكن بدون مرجعية أكاديمية، وتقربها بالفن التصويري الاستشراقي، أعماله في غالبيتها تحوي كتلا بشرية، وأبعادا تحترم زوايا النظر، والتقسيم الزاوي داخل الرسم.

يتموضع محمد بنعلي الرباطي، كرائد كبير من رواد الفن التشكيلي الحديث بالمغرب، جعل موطنه موضوع مشاهدة بصرية تشكيلية لأول مرة على المستوى العالمي، استطاع تشغيل ذاكرته البصرية بقوة إبداعية وبصرية واسعة في استخدام اللون والخط، وفي “البيئة المغربية بعفوية جمالية، أبهرت العديد من النقاد والكثير من المبدعين الأوروبيين المعاصرين.

لقد كانت تحدوه غريزة العطاء والعزم والثقة، وكان حريصا أشد الحرص على الابتعاد عن المدارس والاتجاهات الأكاديمية التي احتك بها من خلال علاقته بالفنانين الأوروبيين داخل المغرب وخارجه، رفض التأثر بها، ليظهر بشخصيته ذات الموروث الثقافي المغربي الأصيل، ولتأتي أعماله انعكاسا لروح هذا الموروث.[ii]

احتفال، بدون تاريخ ألوان مائية وجرافيت على ورق مقوى، 49.1 × 61 سم متحف المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة

احتفال، بدون تاريخ ألوان مائية وجرافيت على ورق مقوى، 49.1 × 61 سم متحف المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة

كان لبنعلي الرباطي حدس قريب من حدس دولاكروا أو ماتيس. دولاكروا الذي اشتهر برسوماته التي في غالبيتها تصور أسرا أو جماعة من الناس (الفلاحين، المهشمين…)، وماتيس الذي تأثر بقوة بالمناخ العربي وبتقاليد العرب، التي كان يتخيّلها بكثير من الأسطورة[iii]، فلقد تأثر ماتيس بالجو المشمس لبلدان شمال إفريقيا التي زارها وتأثر بالألوان الساطعة والكثيفة. فيكون الرباطي قد أخذ حداثته من الفن الأوروبي، الذي استطاع الاحتكاك به عبر أعمال جون لافري أو المرحلة التي قضاها في لندن أو مارسيليا.

توفي محمد بنعلي الرباطي سنة 1939، عن عمر تجاوز السبعين سنة، ليترك أعمالا تؤرخ لمرحلة مهدت للحداثة الفنية بالمغرب، وتدشينا للمدرسة التشخيصية الواقعية بالمغرب، هذا الاتجاه الذي ستتبناه مدرسة تطوان في فحوى تدريسها، إلى يومنا هذا بشكل من الأشكال.

[i]http://ettouffahi.artblog.fr/551711/Mohamed-BEN-ALI-RBATI

[ii]التشكيل المغربي، البحث عن الذات، محمد أديب السلاوي، ص44، منشورات دار مرسم، 2009

[iii]الفن كتابة بالظل أو بالنور، د منصف صدقي العلوي، ص 21، سلسلة محاضرات جمعية الفكر التشكيلي، المنتدى السادس 2013

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*