الرئيسية | سرديات | ثلاث قصص | حسين عبد الرحيم
حسين عبد الرحيم

ثلاث قصص | حسين عبد الرحيم

حسين عبد الرحيم  ( مصر):

 

شخص ثالث

 

منذ عشر سنوات وأنا أرى الحلم نفسه. أبي يقود» لنشاً» سريعاً، يخترق صفحة ماء هادر. أدقق في ملامحه، أدنو منه وأنا في منطقة بين الوعي بلملمة أطراف الحلم، وبين اليقظة. أتشمّم عرقه، أرقب وشماً علي رقبته. أأبي هو، أم جدي ؟ كلما دنوت ُ منه لأ تشمّمه، تنفلت مني حسيّتي المفرطة. أبي في الحقيقة كان مقاتلاً علي الأرض التي جرى تهجير أهلها. كان من المستبقين، ولم يكن بحاراً ؛ ليقود لنشاً يمرق كل أسبوع أمامي وأنا بين النوم واليقظة الخاضعة سلفاً لتدريب شاق. جدي كان قائد لنش في بورسعيد في عشرينيات القرن الفائت ؟ أبي وأمي أكدا لي هذه المعلومة. ومنذ عشر سنوات، عندما سألت أمي، في وجود أبي، اشتبكا. وقتها صرخت أمي في وجه أبي:» مش معقولة يا حسن. إنت نسيت التاريخ وسيرة أبيك ؟”.

قالت لي أمي: جدك عبد الرحيم الكبير هو الذي كان يعمل سائق لنش» الرياح». كان هذا اسمه، كما أكدت والدتي. ما يهمني في الأمر، هو تأثير هذا الحلم في وعيي وذاكرتي. عدتُ لأنام متعمداً، لعل اشتباك وعيي المتضخم بما يحدث، ينير لي دروب رحلة عائلة الأب وعلاقتها بالبحر. حتى جاءت ليلة الأمس. وقفتُ على شاطئ متوسطي أعرفه ولمحت اللنش يقترب من ميناء أقف في مقدمته مطلاً علي فنار قديم رأيته من قبل. وكالعادة زعق اللنش وبدأ حجمه يتضخم، ولاحت في خلفية رفاسه سفينةٌ، وبان قبطان يلوح لي بإصبعيه، الوسطي والسبابة. ظل يشير إلي هدف محدد. وعندما حاذت السفينةُ لنش أبي، بان ضئيلاً، وهو يحاول التقدم صوب بوغاز ما بات علي مشارف الرائي. ربان السفينة كان يبتسم وهو يشير إلي قائد اللنش الذي ثبّت وجهته بنصف صدغه الأيمن ناحيتي، وأطلَّ في صمت محير من دون أن يرمش له جفن، رغم تلك الشارة التي تعمدت رفعها صوب وجهه وقت فراره نحو الغاطس. تاه اللنش في الغاطس، وظهرت مؤخرة السفينة، وقت أن طاف الفنار متنقلاً ببقع ضوء عديدة تخرج في نثار وتنزاح لتضوي علي واجهات مبانٍ وسفنٍ معطلة علي الجانب الآخر من المجري الملاحي الذي أعرفه، بل سبق أن أبحرتُ فيه بمركب مازالت صورته بطرازه الماهوجني محفورةً في ذاكرتي.
أستعيد الحلم كثيراً. أجتر تفاصيله، لتتأكد لي، من خلال تتابع الصور، حقيقة الاشتباك معهما. هناك شخص ثالث بالفعل. نعم، أبي وجدي كانا في الحلم، ولكنه ليس جد والدي المدعو عبد الرحيم الكبير. بل المفاجأة أن أمي الصديقة قالت لي يوماً ما إن عبد الرحيم الكبير شارك في حفر القناة عشرة أعوام، ثم فرَّ من السخرة وركب باخرة إيطالية مكثت في البحر شهوراً عدة حتى رست في ميناء صغير يسمي (صقلية)، وبات يتنقل من مركب إلي آخر حتى عُثر عليه مقتولاً، وعند تفتيش كوخه كانت هناك صورة فوتوغرافية لشخص يشبهني، وقد دوّن عليها تاريخ مولدي باليوم والشهر من دون تحديد سنة ما.

 

الليل الطويل

 

كان قد ترك مسكنه في الكوربة وحيداً كعادته إلا أنه هذه المرة قصد سوق الأسماك بضاحية صلاح الدين. على آثار ضوء خافت كان يمشي ببطء. يتذكر آخر رحلاتهما سوياً. وكان الوقت ليلاً أيضاً. وجيه يس؟! لن ينساه. ولا تلك الجلسات الحميمية في كافيه»بالميرا». والتنزه في»الميريلاند» وتلك الحدائق المورقة المخيفة والتي كلما سارا سوياً فيها انقبض قلبه من دون سبب معلوم. يخشى هفهفات الجذوع الخفيفة التي تترنح بين أشجار السرو العالية والتي تتمايل مع الريح في العتمة، فيدق قلبه رغم بعده عن موقع تلك الأشجار. وكأن قتيلاً مجهولاً سيهوي فوق رأسه، وهذا القتيل قريب منه. يعرفه في شكل حميمي كأنه شقيقه الأكبر الذي بات يشفق عليه كثيراً في الأيام الأخيرة خصوصاً أن»بُرهان» أجريت له العملية الثانية في عينه اليسرى منذ يومين. يتذكر موت شقيقه التوأم، ظله في التل الكبير وقت قضاء خدمته العسكرية في فرقة الاستطلاع. أسفل أشجار السرو أيضاً وقت أن كان يحرس ليلاً قرب مخزن الذخيرة خلف أكوام الرمال الكثيفة والتي تركض فوقها الأرانب الجبلية البيضاء السمينة هاوية في الظلمة كالضليلة التي تساق إلى طريق تعلمه ولكنها لا تراه. تفر بخفة عكس الريح في لمح البصر. صارت عقدته تتعاظم كلما رأى تلك الأشجار. حتى وهو مع حبيبته ذات الأصول الإيطالية التي تقطن مصر الجديدة والتي هاتفته منذ ساعة ونصف على غير العادة وقالت له في عجالة:» نفسي نتمشى سوا في الليل. لوحدنا وفي شارع طويل مالوش نهاية يودينا لآخر الدنيا. بعيد عن هنا”.

نمر من أمام كنيسة الكاثوليك في الكوربة ونواصل الحكاية وتلك الحلقات الفرنسية التي تعرضها قناة»آر تي» والتي تفسر نظريات القرين وتناسخ الأرواح وأن كلاً منا يحتفظ بأكثر من آخر بداخله يشبهه في أشياء ويختلف معه في أشياء أخرى. بل إن هناك داخلنا من لا يعجبه سلوكنا في بعض المواقف تجاه شخص أو حدث ما. وهناك العشرات من حالات وحوادث القتل الغامضة واللامبررة من قبل بعض السويسريين وكثرة من الفرنسيين أيضاً تأتي في شكل غير متوقع من قبل الجاني، وبمجرد القبض على القاتل، فإنه يردد مذعوراً»لم أقتل أحداً. ليس أنا». شربنا الإكسبريسو في مقهى»خارينوس» على مصابيح خافتة تشبه تلك التي تنير شوارع أثينا. وقالت ماريا وأنا أرنو لضحكتها الطفولية:»  أنت عايز تشوفني في البانيو. بعينك”.

واصل المشي ببطء على غير العادة وصار يفكر في أشياء كثيرة مبهمة. بعد خمسة أيام سيتم عامه الخمسين. المرآة التي نظر فيها قبل خروجه من منزله في العباسية، أوحت له بعكس ذلك. ومع تحديقه في الهالات السوداء أسفل عينيه جن جنونه. رأى شخصاً آخر لا يعرفه. غريب عنه. لم يولد في هذه البلاد، ولم يستسغ حتى طعم الماء في بحرها. كان يطل في صفحة المرآة المصقولة وكأنه ابن الأمس البعيد، ابن البحر الكاره للنيل والمذعور من موجاته العميقة، وتحديداً في تلك المرة الوحيدة التي رأى فيها الشاب الثلاثيني ينزلق من المركب الصغير قريباً من نافورة الجيزة.

 الجانب الآخر


ناداني من خلف ساتر ضخم، يفصلني عن ميناء عتيق توقفتُ عنده كثيراً، على صوت بحر حسبته في بلادي. تأملتُ ملامحه المألوفة؛ وجهه الأبيض الذائب في حمرة وعينيه الزرقاوين وخصلات شعره التي غطَّاها المشيب. تلك الملامح التي كنت قد تركته عليها منذ آخر لقاء جمعني به في الزمالك. كان الغمام قد حطَّ على أرضية الميناء. وخُيل لي أننا في منتهى الخريف، أو على عتبات شتاء قارس البرودة.

ثمة سفينة ضخمة تسير قريباً من وقفتي على رصيف ما؛ خُصص للترانزيت على ما أذكر. تأملتُ الأجواء من حولي. لم يكن هناك أحد غيري. كان يقترب من وقفتي وأنا أحاول استبيان صدى الصوت ووقعه، وتحديداً عندما ازداد اقترابه، وأنا أحدق وسط الغيوم.

قلتُ: من يناديني؟

فقال: أنا وجيه يسى.

احتكت السفينة بالرصيف قرب موضع قدمي. كانت عيناي تجوسان في الغمام، فرأيت نثار ثلج يهوي على الرصيف الطويل من حولي وطيور النورس تبحث عن ملاذ آمن.

حاولتُ استجماع ذاكرتي، وأنا أدور حول نفسي، وهو مازال يردد أين أنت؟ لماذا لا أراك؟ إرفع يدك يا صبَّان حتى أتمكن من تحديد مكانك.

الصوت يخترق أذني. هو صوت وجيه، ولكني لا أتبين جسده بسبب ضباب ما بعد الفجر مباشرة. في الأرض ملح يملأ الرصيف، يتعانق مع حبَّات ثلجية تهتز من أثر الريح، والماء البحري يتأرجح ببطء قرب الحاجز الأسمنتي العالي الصلب. حرَّكتُ ساقيَّ لأتأكد من أنني لا أحلم. تنتصب ذراعاي في فضاء الغيم وشعر رأسي يعاند الريح. قلبي يخفق بشدة ولكني لست بخائف. شهيق وزفير وأبخرة تحمل دفءاً يعاودني بعدما كان قد فارقني منذ أن ودعت شبابي الأول هناك.

وجيه يتحدث بلغة طليانية كان يجيدها بطلاقة. صدى الصوت يهوي في فضاء الأرصفة وتتلاشى الأحرف لأصيخ السمع. أدور وينعدم البيان في أجواء الميناء. ولكن ينعدم حضور جسده الذي أعرفه. أسأل نفسي: أين أنا؟

ليأتيني صوت ربان السفينة التي حاولت قدر المستطاع أن ترسو بجواري وقتما كان ماء المجرى الملاحي ينحسر. الرجل ناداني حقيقة، وسألني عن عامل فنار قديم وعن زجاجات كان يحملها ويريدني أن أتناولها منه عبر قارب صغير، أشار نحوه بيده اليسرى.

تعجبت؛ كيف ظهر هذا القارب فجأة.

كانت السفينة قد رست وبدأ الماء يزيد انحساراً لدرجة جعلتني أرى القاع ومكان رقدة المركب في الممر الملاحي الطويل. لاحظت هذا عندما سمعت الاحتكاك وتلك الطقطقات المهلكة التي علت عندما توقف المركب عن الحركة ليسألني الربان ثانية:

لماذا تركتم البحر هكذا حتى جفَّ؟ أين مسؤول الميناء؟ لماذا تقف هكذا تحدث نفسك همساً وتعاود التحديق في تلك الأضواء الهاربة من الفنار القديم؟

فجأة وجدتني وقد قبضت على معصمي الأيسر بكفي الأيمن بقوة وتركيز ومن بين الغمام كنت أحدق في ساعتي، وأنا وسط ذلك الميناء، المعلوم، المجهول. سرت فوق الرصيف الممتد بلا نهاية. رأيت سور الميناء يتعالى على يساري، فيميني. قلبي يدق بعنف لأجدني سائراً خائفاً في شبه ممر مصنوع من فولاذ سميك. حاولتُ الركض بعدما كدت أن أتعثر في ترجلي وقتما تحوّل الملح ونثار الثلج إلى حصى غليظ، واستمر إنصاتي إلى تلك الهمهمات الآتية من زمن مبهم. طغى صوت امرأة بجسدٍ مثير للشهوة. امرأة تقارب الأربعين؛ ترتدي تاييراً أرجوانياً يعلو الركبة بقليل. مفتوح من الأمام ليبرز ساقين من عاج وأبنوس. ينفتح الجوب فجأة لتطفو علامات الصقيع كبقع حمراء تدل على عيشة رغدة.

كانت تتلفت بحذر. إذاً هي حقيقة وليست هالة ولا غماماً. امرأة من نار ونور؛ حطَّت أمامي. في مواجهتي تماماً. لا يفصلني عن شفتيها إلا سنتيمترات معدودة وكأنها كانت تتبعني منذ وقوفي الذي لا أعرف متى بدأ. كأنها كانت تنتظرني حتى أحدق في عقارب الساعة. احتضنت بكفها اللين رسغي ودعتني بجسارة إلى السير عكس الريح.
قالت وقد لاحت خصلات شعرها الكستنائي مستسلمة لقبض الريح: أين أنت يا عزيزي؟
قلتُ بهمس وقد غلبتني النشوة: أنا صبَّان الصقلي. قالت: أنا إيزابيلا لوتشيانو زوجة البهي وجيه يسى. لماذا لم تعد تزورنا في ثكنتنا في الجانب الآخر من الشاطئ البعيد؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*