الرئيسية | سرديات | حانة الآنسة شكيلا | جمعة اللامي
جمعة اللامي

حانة الآنسة شكيلا | جمعة اللامي

جمعة اللامي (العراق):

 

كان يؤجل تنفيذ كتابة نهاية قصة حمدون القصار.

نعم (تلك نهاية شنيعة جداً)ـ على وفق أولئك الذين قرأوا أفكار سيجموند فرويد من الصفحة الأولى في طبعات باللغة العربية ـ  شهرا بعد آخر، وعقداً بعد عقد، حتى وجد انه ضجر تماماً من هذا التأجيل الذي يقود إلى تأجيل جديد. فاختار ملابسه بعناية على غير عادته(كان الوقت يقترب من منتصف النهار)، وغادر منزله الكائن في” شارع 60″، ومن هناك يمم وجهه شطر» شارع النخيل»، حيث الحانة الفلبينية (هذه تسمية غير دقيقة حقا) التي تديرها ثلاث فتيات غير دميمات. وقد اكتشفها الكاتب قبل سبع سنوات، عندما كان يبحث عن مكان يفتح أبوابه على مدار الساعة.

كان قد  انتهى من استعادة نهاية فكرة قصته العتيدة للمرة المائة، ربما. ومرق في ذهنه شبح إرنست همنغواي، وهو يذخّر بندقية الصيد ذات الماسورتين. وضع أوراقه الملونة وأقلام الحبر والرصاص داخل حقيبته الجلدية السوداء. ثم علق ذلك الكيس الذي يستخدمه الموسيقيون في حمل آلاتهم، على كتفه اليمنى، وهو ينتوي وضع حد لهذا التأجيل المتواصل، لا سيما بعدما انتهى من معرفة نهاية العريف حمدون القصار، شخصية هذه القصة:” هو رجل في العقد السابع من عمره، هاجر من ريف قضاء المجر إلى اليشن، وبقي يبحث عمّن يستمع إليه، ليروي قصته بين يديه. تلك القصة التي سنعرف من تفصيلاتها، مشكلته بعد عودته من الحرب يحمل جرحا عميقا في روحه. لكنه فشل في تحقيق هذه الأمنية».

حمدون اكبر منه بخمس سنوات، وهو ربع القامة أيضا. لكن هذا الفارق لم  يمنعه من القول في سره:»نحن متشابهان يا حمدون». ردّ حمدون:» نعم، يا صديقي العزيز».

وحتى قبل منتصف هذا النهار، استمر الكاتب (عرفه أهل اليشن مراسلا لجريدة في بلد غير معروف، أو هكذا تقول إحدى الشائعات التي تزخر بها عرصة مدينتهم الصغيرة) يسال نفسه:» والآن، ماذا بعد هذه الحفلة ؟».

راهن القصةدلف الكاتب إلى الحانة (بعدما ابتاع وردة جوري حمراء من الدكان الصغير المجاور) عبر الباب الصغير الخلفي.المخصص للعاملات في هذه الحانة العربية التي استحالت مقراً لفتيات فلبينيات، وشباب روس، والهنود الذين يديرون محلات صغيرة للطباعة، وعدد من المتسكعين الذين لا جنسية لهم، أو هكذا خمن ذلك، وتوجه إلى زاويته الشرقية القصية المعتادة، بعدما حيا العاملة الفارسية الصغيرة: شكيلا، التي كان ينادي عليها في سره:»يا وردة أصفهان، (لاحظ أن كتاب: منطق الطير، لا يزال مطروحا بين يديها ـ عرف ذلك من صورة تخطيطية شائعة للشاعر فريد الدين العطار)، بتلك الكلمات التي لا يعرف معناها».

ارتبكت شكيلا قليلا وهي لا تزال جالسة إلى الآلة الحاسبة. وردت سينثيا مرحة:»هلا وَيْنْ مايْ تُوْ آيزْ”. ثم أكملت مرحها بجملة شائعة صارت سمة من سمات شخصية أهل اليشن،» شاكو ماكو، حياتي !” وانفجرت ضاحكة.

ابتسم لها مرة أخرى بعد أن تناول الإناء البلاستيكي الصغير الذي امتلأ حتى الربع الأخير منه، بقهوة أمريكية تشبه القار.» سينثيا، لقد اتخذت قراري الأخير”. خاطب الكاتب الفتاة. كانت تتجول بين الطاولات، فبادلتها الثانية ابتسامة مرتبكة، بينما كانت الزميلة الثالثة، وربما كان اسمها بيانكا،  تكتب شيئاً على ورقة بيضاء من اليمين إلى اليسار.

سألها بنظراته:» بيانكا. أنت تكتبين من اليمين إلى اليسار. صرت عربية ؟”. حسب أنها قالت له:» نعم. سيدي الكاتب، أنا بدأت أتعلم كلمات عربية. أنت تعرف أننا أندلسيون نغرق في تفاصيلنا غير الاسبانية، وربما ننغمر في التاريخ العربي لعارنا، حيث ثمة في بلادنا من يقتل بالسيف ثورا منغمرا في وحدة قاسية ورهيبة”.

 (..وكانت وحدة حمدون تلازمه في ضميره، وتتحرك معه إلى كل الأمكنة،كلما يتذكر تلك الليلة التي هرب فيها من الخدمة العسكرية، تاركا بندقيته في حفرة على الربيّة الجبلية).

أستغرب من فصاحة بيانكا، لكنه أيضاً انتبه إلى سينثيا التي كانت تدور حول طاولات الزبائن بسرعة نحلة الجبال، تقول له:»سيدي الكاتب انك تعيد إنتاج بيانكا وشكيلا، وتحاول أن تكتبني كما تريد،  بينما أنت منغمر في نهاية فكرة قصتك (هامش: ـ استخدم حمدون بندقية صيد قديمة» يسميها أهل اليشن: كسريّة» كانت موجهة إلى صدغه الأيمن في ليلة شتوية)، التي شغلتك منذ عقود وتؤجلها يوماً بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع، وشهراً بعد شهراً، وسنة بعد أخرى».

” اتخذ القصار قراره، أخيرا”. قال لها هامسا. وكان قد انتهى من آخر مرة رفع فيها قهوته إلى شفتيه، فبان التلوث في قعر الفنجان. حسب انه ربما سيلوث فكرة غير شائعة بين العامة من الناس، وهي غير جديرة بالتلوث حقاً. إذ أنه سيبدأ بعد لحظة، أي عند  الدقيقة الثانية من بعد منتصف نهار يوم 2 كانون الثاني سنة 3000 ، بإعادة قراءة تاريخه وتاريخ مدينته، وتاريخ بلاده من الصفحة الأخيرة لكتاب» الإمامة والسياسة”.

كتب بخفة ومن دون توقف، بقلم حبر ازرق على صفحة بنفسجية اللون، حتى انتهى إلى هذه العبارة:» بصق حمدون القصار في جوف الإناء البلاستيكي، وخاطب نفسه: هذا التاريخ القذر». ثم توقف عن الكتابة. أحس انه يحلق في أعلى السموات، ومن هناك رأى الوردة الجورية الحمراء، لا تزال ترقد مرتاحة فوق الراحة اليمنى لكف شكيلا.

والآن، وهو في ذروة سروره العاصف، استمع إلى شكيلا تنشد:» العاشقُ يُشعلُ النارَ/ في كُلِّ بَيدَر./

 الوردةُ كاشفةُ أسراري.

وعُشْقُ الوَردةِ أفقَدني حَياتي

كفاني: ما يَكْمُن بالرأس مِنْ عُشْقِ الوَردةِ
كفاني: أن تكون معشوقتي هذه الوردة».

توقف الكاتب عن الإنشاد الهامس، وأرسل بصره نحو شكيلا (رآها وردة جوري حمراء)، ثم غرق في تأملاته. اضطربت شكيلا (… وسقطت وريقة حمراء من على كرسي وردة الجوري)، وقامت على حيلها، ثم ندت عنها صرخة مكتومة، بعد أن هزّ صمت الحانة صوت انطلاق رصاصة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*