الرئيسية | سرديات | سحب زناد | وافي بيرم
وافي بيرم

سحب زناد | وافي بيرم

وافي بيرم  (سوريا):

 

  أجلس وراء طاولتي، عليها أوراق مبعثرة وقلم ينزف، أضع مسدساً محشواً بجانبي وأرسم ضحيتي بشكل متقن، أجرُّ خلفي الكثير من الضحايا، وكأي قاتل متسلسل، أضع علامتي على كل ضحية، أرسم خطوطاً حولها قبل وصول الشرطة، وأمنحهم تحقيقاً هادئاً بلا لبكة رسم الخطوط، وأحيط  مسرح الجريمة بشرائط صفراء وأنتظر بتوتر تقارير المعمل الجنائي.

 هكذا أحب أن أكتب القصة القصيرة، لم أكتب قصصاً بوليسية أبداً، ولكني أهتم جداً بجثث من طحنتهم الحرب، وكناجٍ من حرب، أعترف أن الحرب لفظتني كجثة من ظلامها وطرحتني في ساحة القصة القصيرة.

الرواةُ أيضاً قتلة، ولكنهم لا يستعملون المسدسات، هي جريمة كاملة، توضع على الطاولة كل الخرائط، وترسم جميع احتمالات ومسارات الجريمة بدقة متناهية، آلاف الاحتمالات ومناقشات بين الراوي وشخوصه، ومناقشات تحتد وتهدأ للوصول للجريمة الكاملة، ثم يبدأ التجهيز وشراء الأدوات اللازمة للمهة المزمع تنفيذها من قبل الراوي، يراقب الراوي جميع تحركات الضحية، ويتسلل خلفه إلى غرفة نومه، وإلى حمامه، إلى شرفته، ومن ثم يذهب معه إلى عمله، ولا يترك له مهرباً وكل شيء يُسجل على دفتر صغير، على شكل ملاحظات، لتكون حاضرة أثناء وضع الخطوط العريضة للتنفيذ، وجميع الدلائل والتحقيقات ستتوصل لنتيجة واحدة، هي انتحار الضحية.

أما القاص، فبالكاد يضع مسدسه بجانبه، يسمك الضحية من تلابيبها ببرود وتمهل، ومع ابتسامة خفيفة، وباليد الأخرى يضع المسدس في رأسه ويشد الزناد لتتناثر حوله الدماء وتشكل لوحات فنية باهظة الثمن، يمسح وجهه بمنديل ورقي أبيض، يرسم حدود الضحية ويتصل بالشرطة ويغادر.

هكذا أتماهى مع القصة أسدد فوهة المسدس في وجه القارئ وأسحب الزناد، قتلت الكثيروسجلي مليء بأرقام القضايا، لم يستطع أحد القبض علي بعد، يقال أحياناً أنه قاتل متسلسل ، وأحياناً أخرى أنه شبح، أكثر ما كان يسعدني هو المتفرجين، مئات من البشر تقف خلف الشريط البلاستيكي، وبعض كاميرات الصحافة، تحاول تصوير جثتي الممدة على كرسي أمام طاولة، وحولها الكثير من الدماء.

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*