الرئيسية | أدب وفن | في لوحة شفيق الزكاري: بيان من أجل الإنسانية.
شفيق الزكاري
شفيق الزكاري

في لوحة شفيق الزكاري: بيان من أجل الإنسانية.

 

عبد الواحد مفتاح

 كاتب وناقد مغربي

كاتب وناقد مغربي

 الحديث عن المشروع الجمالي للفنان التشكيلي شفيق الزكاري، هو حديث يَبتَغي كثيرا من الوقت والحيوية. لأننا نتكلم عن تشكيلي وناقد، كصفتين مُحددتين لما يَهتَبلِه هذا الفنان، دون مُفاضلة. وهو اهتبال خَطَّه بحدسٍ جمالي وطول بحثٍ، ما وهبَه تلك القدرة الشفيفة على الاقتِناص البارع لما يَشتغل عليه من إنتاج صباغي يُعَمِّد لونه بمُتَلأْلِآت معرفية، ما تُسلِط نورها على كامل جسد المتن النقدي لديه.

يَنطلق اشتغال الفنان شفيق الزكاري داخل عمله الصباغي، من تلك المُحاولة المُخصّبَة ببَراءة -لا أجد كيف أتحدث عنها- وهي مُحاولةُ اِلتِفافٍ للتَّحَكم بمَدلولات الواقع الحياتي، ومُحاوَلة فَهمِه وتَعَديه، عبر جَماليّ لا يُخْضِع هذا الواقع بالضَرورة. إلى مَوْضَعَتِه في غَير فِعله المعيشي، بفَنية تلتَفِت إلى نَفسها أكثر مما تَلتفِت إلى أي نَسَق إيديولوجي أو أسطوري. وهو ما يَهب لوحَته تلك القُدرة اللابَأس بها على كسر أفق انتظار المتلقي دائما.

المَنسي والمهمَل هو تَحتِيات سَند هذا الفنان، فبَعد اشتغَاله على الخشب انتقل إلى الكارتون (CARTON) هذا الذي صَار مَكانه القمامَة بَعدما استخدَمته مَصانع العالم في تلفيف المستهل واليومي.

الكارتون كسَند للمربع الأيقوني لدى شفيق الزكاري، غير رسالة احتجاج فقط، في اشتغال يُتَوْئِمُ بين التِقنِية والمَوضوع، ويُحاور بين الأسلوب والمادة، مُتَوسّلا بمكونات الفكر النابع عنها، في خِضَم الإنشائية التي يُشَيّدها. بقدر ماهو “recyclage” روسيكلاج للمادة ولتجربته الحياتية أيضا. فاشتغاله بإسبانيا في مجال التَلفيف وتَعايُشه مع واقع الأزمة الاقتصادية الأوروبية وتَراتُبِيَاتِها السِّلبية على حياة الفرد والمُجتمع جَعله يَنْتخِب سَنَدا مُختَلفا ومُغايِرا، فَوقَه يُعيد تَرتيب ألوانِه وهَنْدستِه ليَصْنَع أبْعادا إشَارية ذات دلالات بليغة على المستوى الإنساني، بمُكونات مَرئية بعيدا عن التعمية، والكلمات اللونية المِفْتاحية أو ما يصطلح عليه البعض ببلاغة (بلاهة) البتر.

لوحة شفيق الزكاري هي بيان من أجل الإنسان.

لوحة شفيق الزكاري 1

بيان صارخ بعذوبة جمالية تَنْطَلق خارج الأنماط المشهدية التقريرية.

إن مُربع اللوحة لدى هذا الفنان ومَسالِكَها غير المُوصدة وبالنظر إلى اشراقاتها اللونية، كل هذا لا يَستَدعِي كَبير جُهد، لنَتَبَيّن تلك الرؤية التي أجِدني أتَلعْتَم في القدرة على الكتابة عما يِشِعّ منها. وهي رُؤيَة بَديعَة تَستَعْطي لديْهِ اِلتِقاط الجوهري في الأشياء المرئية، وهو يَسعَى لتحرير نفسه من الثوابِت المألوفة عبر مُحاصرتها بِلونِيَتِه التي يَتَقاطع فيها الجَمالي بالمعرفي.

وهو بذلك يُنَمّي ويُبلّغ عن غريزة عميقة في الإنسان. وهي غريزة الحرية، هذا الفعل الذي يُسيْطِر على كامل إنتاجية المشروع الجمالي لهذا الفنان بشكل ديكتاتوري.

إن تَفاعله المُزَاوِج بين التَنْظِير والتَظْهير، في ضوء الميثاق الرمزي الذي يَجمع اللوحة بالبحث الجمالي العالِم، ما يَجعَلنا نَنْظر إليها وهي تُعبّرُ بإخلاص عَمَا يُحَقِقه الفنان، الذي تَتَسِم أعماله بالتَّشخيصِية الجديدة، من نُضج على نَضارة، ما يَجْعل لوحَته تُغمِض لونَها في عَينَيك، ليَرمي بِك في لُجّة الضَوء، عائما بين تَدَّفق المفردات والبَصَمات الصِباغية. التي يَنحتُ بها مُنجَزه بِحسٍ معرفي مليء بمعانٍ إشراقية فَياضة، مُوظِفا العلامات البارِزة لعوالم اغتِرابه الاضطراري في اسبانيا. وهي المرحلة التي ألقت تَساؤلِياتها بظِلالها على جانب هام من أعمال هذا الفنان، لتَكون بذلك موتيف “motif ” الهجرة عاملا بارزا داخل لوحته تحث ثيمة “thème” أكبر، وهي تهجير الإنسان من اضطراب اليومي والحياتي لما يَنْشده من صَفائية داخل العمل الفني.

يَستخدم الصِدق ليس لإبراز العالم كما هو، مُستَعينا بخُشونة وجَفاف ما صَار الإنسان اليوم يَلتَف به، وإنما من أجل “روسيكلاج” (إعادة التدوير) هذا الواقع بإضفاء العاطفة عليه -العاطفة كجوهر إنساني نقيده السذاجة.

لوحة شفيق الزكاري هي لحظة مُواجَهة مع العالم. أما الحُرية فليس غير قانُونها الداخلي، فلا يرسم ما يَرى وإنما ما سوف يُرى.

لوحة شفيقتَطويع المادة لفائدة الفكرة والبناء والتكوين سِمة عمل فناننا هنا. الذي يَنظر كثيرون اليوم للَوحته وهم يَتَحسَسون لذة يَخونها الإشباع.. لذة كثيرة وصَافية تُسَرِّب خُطاطتها نَحو فَعالية “اللامكتمل”، ما يَهبنا شرعية الافتِتان بما تُطرّز شاعريتها بعيدا عن نَزعات الاستِنساخ والتنميط. لوْحة تُشبه قصيدة هايكو طويلة، تُنمي سَعادتها بِتلك اللمسة الفَنية المجتهدة، التي حَرر بها شفيق الزكاري مَجاز ألوانِها لتَصير إلى لغة.

اللون والضوء هما عُنْصرا الرسم عند شفيق الزكاري، الذي يَشتَغل من الناحية الثيميَة على شُخوص من طينة أخرى، وعلامات تَرميزية كتذكرة القطار الذي طالما كان وسيلة نقله في بلاد الاغتراب -بَحثا عن الذات- وإعطاءَ حَياةٍ جديدة لِلُفافات المُهملة. كل هذا بَعضٌ من جَدليَة التَجريب الذي يَتَخِذ عند هذا الفنان، من تَجديد يَنابيعِه وصَقل أدواته باستمرار، كامل إبداعيته.

بِطاقة مُتوقِدة واقتناع بَليغ برسالته الفنية التي يُكابد ويُكافح من أجلها، يَشتغل شفيق الزكاري مُتنقِلا بين بلانسيا (اسبانيا) والمحمدية (المغرب)، رغم دراسته الفن وتاريخه بفرنسة ظل هذا الفنان مُخلِصا ومُخلَصا لثقافته وموروثه المغربي، الذي نَهل منه موتيفاته الصباغية برؤية جمالية تُعلي من مُصاحَبتها للمعرفي، ودافع عن جذوة الاشتغال عليها، في غالب ما سَطره من نصوص وأقام من محاضرات، بذلك يكون أحد القلائل الذين انتبهوا مُنذ وقت مُبَكر لخُطورة الانزلاق في مَخالب التَبعيَة والتِكرار عن المراسم الأوروبية. ما كان له ليُؤسَس لولا أصالة البَحث وعُمقه.

إن النداء العالي الذي أطلقه شفيق الزكاري منذ أولى دِراساته حول التشكيل المغربي بِمُعاداة التَبعية والاشتغال بجُهد أكبر على الموروث الحضاري والثقافي المغربي، دَعوة ليسَ للدفاع عن خصوصية ما حَقّ الدفاع عليها، وإنما هي في جَوهرها دفاع عن الحرية، فلا يُمكن أن نتكلم عن مُمارسة فَنية حقيقية وهي مازالت تَرفُل تحت سلطة الآخر ورؤاه.

لوحة شفيق الزكاري

لوحة شفيق الزكاري

هو النداء الذي انتبه له مجموعة من الفنانين والنقاد، الذين حاولوا بدورهم تَذليل ما استطاعوا من المصاعب المعرفية المصاحِبة لهذا الموروث الذي لم يعرف بَعد تسليط معدات أكاديمية كافية لتَفتيته وتَسطير مُقاربات معرفية له يمكن البناء عليها.

إن الحديث عن الممارسة التشكيلية للفنان شفيق الزكاري لا يُمكن أن يَمر دون ذكر الهم المعرفي القلق الذي يَطبع مسيرته، هم دفع به لخوض عديد دراسات عن التشكيل المغربي، إلى جانب دوره في التعريف بنُخبة هامة من الفنانين. إذ كان له السبق في تسليط نُور النقد على أعمال عدد من التشكيلين الواعدين تَقويما وإبرازا للجانب المضيء داخل تجربتهم، ما أعطى دُفعة قوية لكثير منهم لترتيب أدواتهم بشكل أكثر احترافية، هذا جانب مما راقبْتُه في المشروع الجمالي لشفيق الزكاري الذي يحضر البعد الإنساني في أعماله مؤطرا للوحَته التي هي امتداد لتَسْطيرٍ مَرجعه المعرفي في الأساس، وهذا ما يَفتَقِر إليه عدد غير يسير من التشكيليين المغاربة اليوم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*