الرئيسية | سرديات | قصص | سامية العطعوط
سلمية العطعوط

قصص | سامية العطعوط

سامية العطعوط  (فلسطين – الأردن ):

 

هوايةٌ غريبــــة

كانت لديه هوايةٌ غريبةٌ تُنفّر كل من سمع بها. لم يكن شكله الوسيم يوحي بها أو ربما كان كذلك. كان وجهه مستطيلاً ذا تقاطيع ناعمة، شفتاه حمراوان دقيقتان، يعلو الشفة العليا شارب أسودٌ خطّه الشيب. كان ناعماً أملس الشعر والنظرات، لكن السنوات الخمسين من عمره تبدو واضحة في الخطوط الخفيفة حول عينيه وفي لباسه.

إبتداءً من الظهيرة فصاعداً، سيبدأُ أطفالُ الحيّ كل يوم في التحلّق حول بيته. يقفُ أحدهم في الخارج تحت نافذة الصالة، يرفع أحد الرفاق على كتفيه لينظر الأخير من النافذة. يتناوبون الفرجة فيما بينهم، يعلو ضجيجهم وأحيانا ترتفع صرخاتُهم، لكنّ أحداً ما في البيت لا يهتم بتفريقهم، فيستمرون في لعبهم حتى المساء حين يغادرون إلى بيوتهم.

لم تكن هوايته غريبة تماماً. فقد كان يهوى جمع الدود الأرضي وتربيته. وكعادته في كل يومٍ، يجمعُ الدودَ من حديقة بيتهم وحدائق البيوت المجاورة، ومن الحدائق العامة والشوارع… يجمعه ويودعه في مطربانات زجاجية. يمسح الطاولةَ التي تتوسط صالة الجلوس شبه الفارغة في بيته. يفرش عليها غطاءً ناصع الزرقة، ثم يضع المطربانات الزجاجية عليه. يفتّتً بعض الخبز الجاف، يلقيه في المطربانات ويجلس على مقعده بالساعات يراقب الديدان.

كان يحلمُ أن يموت يوماً، لكنه حلم مؤجــل بالطبع. وفيما يتعلق به لم يكن يحب الديدان أبداً، بل كانت تشكّلُ بالنسبة إليه أمراً مزعجاً منذ أن عرف بقصة الديدان التي تأكل الأمواتَ ابتداءً من أعينهم وليس انتهاء بأعضائهم التناسلية… ومنذ ذلك اليوم، منذ أن كان في السابعة من عمره، قرّر أن يجد طريقةً ما تخلّصهُ من الديدان. فبدأ بجمع ما استطاع منها، وكتب وصيته بعد سنوات استعداداً لليوم الموعود:

” أرجو دفن ديداني معي “

فقط، هذا ما كتبه في وصيته. وكانت خطته السخيفة تقضي بأن يُدفن مع ديدان ممتلئة شبعاً ليضمن عدم مساسها به ميتاً. ومن المؤكد أن الخبر انتشر في القرية، على الرغم من أنه يعيش وحيداً، لأن وصيته انتهت في يد إمام الجامع الذي احتفظ بها كأمانةٍ مهمّة وغريبة. وربما.. ربما كان جميعُ من في القرية ينتظر وفاته بفارغ الصبر للتخلّص منه ومن ديدانه، ما عدا الأطفال الذين كانوا يجدون في القصة شيئاً ما ممتعاً وتسلية محببة لفترة ما بعد الظهر.

يزحف الدودُ على الجدران الداخلية للمطربانات. يصعد إلى الأغطية، يزحف عليها أيضاً وما يكاد يرتفع، حتى يقع ثانية على الأرض. لم يكن الدود يقوم بالكثير من الحركات ولكنها كانت كافية في كل الأحوال لأن يقضي الرجل ذو الوجه المستطيل الساعات أمامها مراقباً.

وفي أحد الأيام، تسلّل أحد الصبية فجراً إلى بيت الرجل النائم ذي الشفتين الحمراوين، ليناكفه. فتح جميع المطربانات وتسلّل إلى الخارجِ، كما الدودُ تسلّل من المطربانات بعشرات الآلاف…. جائعاً،  مهتاجاً أعمى يبحث عن رائحةٍ ما ليلتهمها.

ومنذ ذلك اليوم، لم يخرج الرجل الوسيم من بيته أبداً..

قيل إنّه جلس على الأرض، وراح يأكل ديدانه الواحدة بعد الأخرى بصمتٍ… وهو يبكي، ويتجشأ..!!َ

رائحةُ شخصٍ نائم

هذا أبي،

قال، ووضع الصندوق الجوزي أمامي.

كان صندوقاً صغير الحجم. حوافّه ملساء مستديرة وغطاؤه منقوشٌ بزخارف محفورة عليه بإتقان. لم أعرفْ ماذا أقول له. تناولتُ الصندوق بيديّ، وهبطت على الكنبة.

ظلّ واقفاً ينظر إليّ من خلف النظارات، نظرات جامدة. لا… لم تكن نظراته جافة تماماً، ولكنها كانت توحي بأنه ينتظر أيّ ردّ فعل، ببرود.

خرج كما دخل.

لم أقدّم له شيئاً، رغم أنه قدم لي صندوق الشخص الذي أحببته.

هل أفتح الصندوق وأرى محتوياته؟ هل أتركه هنا في الصالة، أم أضعه في غرفة نومي؟؟! ما الذي يريدني أن أفعله به؟ لماذا لم يقل؟؟

*******

الضبابُ يلّف المكان.

أرواحٌ تسبح هنا وهناك.

أسير دون أن أرى طريقي.

أصطدم بجسدٍ ما، على الأرض. أحدّق به. أرى امرأة غجرية، تجلس على الأرض وتضع الودَعَ في حجرها.

إحذري. قالت ورمتْ الودع. تسمّرتُ في مكاني.

تابعتْ: يحيي العظام وهي رميم.

ولم تنظر إليّ، بل التحفتْ بشالٍ تضعه على كتفيها. غطتْ رأسها به، وانهمكتْ بإشعال بعض الفحم أمامها. التفتُ حولي، علّها تتحدث مع شخص ما غيري. لم أرَ سوى الضباب يطغى على ظلمة الليل، بلونه الحليبي الخانق.

تركتُها وتابعت سيري إلى البيت.

******

الصندوقُ أمامي على التواليت في غرفة النوم. اقتربتُ منه. لمستُ حوافّه بأصابعي. مرّرْتها عليها. الحوافّ ملساء ناعمة، ورائحةُ الصندوق تفوح بالمسك والطيب. استجمعتُ شجاعتي ورفعتُ الغطاء. رأيت كيساً صغيراً من المخمل الخمري داخل الصندوق.

هذه ثروتي، حدثتُ نفسي. فككتُ الرباط وفتحت الكيس. فاحتْ منه رائحةٌ غريبة، تشبه رائحة شخص نائم..!! نظرتُ في الكيس فرأيتُه. كان ممدداّ فيه بانفلاش. أعضاؤه مختلطة بعضها ببعض. لم أستطع أن أميز اليدين عن العينين. لم أميز لون البشرة من لون الدم. الشعر المصبوغ من الشعر الأشيب. كانت الأعضاء مختلطة ببعضها البعض بطريقة سوريالية.

مددْتُ كفي. بالكاد أدخلتها من فتحة الكيس. لمسته بكامله. حبيبات ناعمة من التراب.

من التراب وإلى التراب.!!

*******

أفقتُ من الحلم منزعجة.

نظرتُ إلى الصندوق، كان في مكانه، فحمدت الله.

حلمتُ أنه جاء وكان على عجلة من أمره. طلب مني أن أرتدي فستاني الجديد، لنسهر في مطعم ما. وحين ارتديتُ الفستان وجئت إليه، أمشي على مهل. صرخ بي: ألا تدركين أني متّ. كم أنت غبية..!!!

*******

أفقتُ من الحلم منزعجة.

نظرتُ إلى الصندوق، كان في مكانه.

نظرتُ إلى المرآة، رأيتُني أرتدي الفستان الجديد، وقميص النوم ملقى على الأرض بجانب السرير..!!!

عرفتُ ماذا سأفعل.

سوف أنثر جسده في قوّار (أصّ) ورد، وأزرع في التراب نبتة. سوف أضعه على حافة النافذة في غرفة نومي، لأعتني به وأسقيه بالتراب.

*******

شعرتُ أن شخصاً ما يراقبني. أحسسْت بالخوف. كنت أبدّل ملابسي أمام الخزانة، ونظرات قوية مصوبة إلى ظهري. أشعر بها تلسعني. التفتّ للخلف بسرعة، كانت النبتةُ تحدّق إليّ بتمعن..ّّ

هذا جنون. قلت في نفسي وخرجتُ من البيت.!!

*******

صحوتُ في الصباح التالي على صوت عصافير تغرّد. دخلتُ إلى الحمّام، واغتسلت.

أحضرتُ مرشّ النباتات من المطبخ وذهبت للنبتة أسقيها. حين رأيتها صرختُ. كانتْ يدٌ ما صغيرةٌ تنمو على أحد الأغصان. كانت تشبه يده إلى حدّ بعيد. وعلى الغصن الأصغر، كان ما يشبه الرأس ينمو عليه. لم أتمالك نفسي، وأُغمي عليّ.

حين أفقت، كان القوّار (الأصّ) يفتح النافذة بيديه، ليسمح لأشعة الشمس بالدخول.

ومنذ ذلك اليوم، لم أستطع مغادرة البيت. لم أغادر غرفتي. في كل يوم، كان ينبتُ عضو جديد، وفي كل يوم كنت أراه يشبه النبتة، أو أن النبتة تشبهه. في كل يوم كان ينمو ويتكامل عضواً عضواً. العينين، الشفتين، القلب واللسان. وفي كل يوم كنت أهرم إلى جواره وأتساقط عضواً عضواً …!

ثلاثةُ أخوة

نحن ثلاثة أخوة، ليس لنا أب أو أم. أنجبتنا تلك المرأة السوداء، هائلة الحجم غليظة الشفتين بيضاء الأسنان، متجهمة الوجه، متدلية الأثداء، التي يقف جملان على ردفيها، دون أن تشعر. كانت تضمّنا إلى صدرها وتشدّ رؤوسنا إلى جسدها حتى نكاد نختنق، وكنت أشمّ رائحة جسدها في أنفي مرغماً..! كان الأخ الأصغر أسود اللون، والكبير أبيض اللون، أما أنا فكنت بينهما. بين هذا اللون وذاك.

في مساء أحد الأيام، اجتمعتْ بنا تلك المرأة. جلستْ على كرسي صغير مجدول من القشّ، دون ظهر أو مسندين. لا أدري كيف اتّسع لمؤخرتها الضخمة المترجرجة حين تسير. فتحتْ ساقيها، لكن ثوبها الموّرد الطويل، الملون بألوان داكنة خمرية وسوداء، كان يغطي ما بين الفخذين، إلا أنه كان مفتوحاً من الأعلى جهة الصدر، فبانَ نحرُها جليّاً، ظهر خط السمرة الخفيفة ما بين نهدين عامرين متدليين حتى بطنها.

قالت: غداً هو يوم الموعد المؤجل. مذ وُلدتم، وأنا أنتظر هذا اليوم منذ سنوات.

غداً تخرجون لتتوزعوا في مشارق الأرض ومغاربها، بحثاً عن أبيكم. غداً ستبحثون عنه في الكهوف العميقة المتوارية عن الأنظار، في الغابات المطرية وعند مصابّ الأنهار. في كثبان الصحاري وخرائب الآثار. في المدن القديمة وفي الأزقة وبين ناطحات السحاب. عند قمم الجبال العالية وتحت أقدام النساء، وفي طريقكم، لا تقتلوا شجرة أو طيراً أو حيواناً.

***

وهكذا كان.

في صباح أحد الأيام الخريفية، غادرنا قريتنا مع غبش الفجر، وتوزعنا في الأرض.

***

عندما عدنا بعد سنوات، قال الأخ الأصغر: وجدتُ أبي، أسمر اللون حليق الذقن، أحمر العينين من شدة السهر والبكاء على الجوعى والفقراء واليتامى. قال الثاني: بل أنا من وجد أبانا.. كان يرتدي الثوب الكهنوتي الخمري، ويضع على رأسه قلنسوة الكرادلة، يقيم الصلاة بين جموعٍ غفيرةٍ من البشر، كانوا يبكون لرقة كلماته وصدق مشاعره النبيلة..

قال الثالث: إذن، من ذاك الذي وجدته إن لم يكن أبانا الجبّار الذي في الأرض، يحمل ناطحة السحاب بكفّ، ويقضم الهامبرجر بالكف الأخرى؟..

وحين أنهوا حديثهم، نظروا إلى بعضهم البعض ثم إلى أمهم، وصرخوا بصوت واحد: إذن من هو أبونا؟

لم تحرْ المرأة جواباً، تركتْ التساؤلات معّلقة على شفاههم، وصمتتْ،

وكان صمتها أبدياً..!.

المهندس

[1]

افتضّوا عذريّته بقسوة.

جاؤوا من كل مكان، من قصور الكرادة والأعظمية والمنصور وغيرها…

في ليل بعيد، أخذوه.

لم يعدْ يتذّكر.

أنظرُ إليه الآن، يجلس في مقهىً معها، ويضحك.

[2]

وقفتْ سيارة جيب سوداء أمام بيتهم، في فجر أحد الأيام من عام 2003.

دخلوا إلى البيت بوحشية. كانت أمه الوحيدة نائمة..! وأبوه نائماً في قبره، وأخوه في مقبرة أخرى.

وضعتْ الأم غطاء الرأس على رأسها بالطبع، رحّبتْ بهم، وسألتهم والنوم بالكاد يغادر عينيها، عن مرادهم.

تجاهلوا وجودها الزائد عن الحاجة.

صعدوا إلى الطابق العلوي، وأخذوا الفتى الشاب ذي الثمانية عشر خريفاً من العمر، من فراشه.

سألَتْهم: ماذا فعل؟ هل هناك شيء؟

: لا. نريده فقط في المخفر معنا..

[3]

افتضّوا عذريّته بقسوة.

جاؤوا تحت جنح الظلام.

اقتادوه من سريره إلى مركز تجمّع الباصات، ومن هناك نقلوا الشباب إلى أحد المعسكرات.

[4]

منذ تلك الليلة، ستراه أمه مرة أخرى، ولكن بعد عامين ونصف، وقد خطّ الشيب المبكّر رأسه.

[5]

بعد سنوات، رأيته هائماً على وجهه في شوارع (دبيّ)، لا يصحو إلا عندما يجلس أمام اللاب توب، ليمارس عاداته السرية جميعها..!

[6]

كنتُ أمه ذات يوم..!

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*