الرئيسية | سرديات | مجرد رائحة | هشام أصلان
هشام أصلان

مجرد رائحة | هشام أصلان

هشام أصلان (مصر):

 

قرأت ذات مرة، عن مدينة صغيرة، اشتهر سكانها ببيع زهور الفل للزائرين، بعدما يجمعونها من الشجر، ويصنعون بكل خمس أو ست زهرات شتلة صغيرة، تجمعت سيقانها حول عود خشب رفيع.

وأن السيدات يشترينها لتزيين شعورهن في الصباح، عندما يكون السكان قد قضوا الليل في غزلها وهم جالسون على عتبات البيوت، وسط النسيم والأغاني، وأكواب الشاي الأخضر.

يمشي زائرو المدينة بين السكان وطقوسهم، في طريق صاعد، قبل أن يصلوا إلى أعلاها، ليستقبلهم ساحل يعلو عن البحر عشرات الأمتار، وتتجلى أمامهم أشعة الشمس ملتقية بماء البحر في ألوان، قيل إنها لا تتوفر لغيرهم.

تقول الأسطورة القديمة، إن أحد الصالحين كان يعيش عند الساحل مع ابنته الوحيدة، وأنه اعتاد نزول البحر كل فترة، يأتي من أعماقه بما تيسر، عندما تكون ابنته قد جمعت كميات كبيرة من زهور الفلّ الذي تثمره شجرتها بوفرة، قبل أن تنثرها في المياه، فتصنع لأبيها ممرا من الرائحة، لا يحتاج معه إلى دليل للعودة في ظلام الليل.

لم يره أحد سكان المدينة من قبل، لكنهم كانوا يعرفون أن تمارينه الروحية تمنع الغزاة من الاقتراب. وعندما تأتيهم الرياح برائحة الفل من وراء التلّ، يعرفون أن وليّهم لا يزال على قيد الحياة، وأنه في طريق العودة. ينطلقون في الغناء والمرح.

حينما تجرأ بعضهم على الصعود إلى قمة التلّ، والنزول إلى الناحية الأخرى، حيث الساحل، وجد شجرة الفلّ، وتبّة مستطيلة، تدل على حفرة تم ردمها منذ فترة، تقبع أسفل الفروع الوارفة.

بين التبّة وبداية الأمواج، قادتهم آثار لأقدام صغيرة الحجم، ثم لم تنقطع رائحة الفلّ الآتية من ناحية البحر.
هكذا قالت الأسطورة.

وهكذا نسج ذهني رحلة محاطة بهالة لمدينة ذات خصوصية. نساء يفحن بالفل، ورجال يتسامحون مع الزوار.
بعد سنوات، وفي زيارة أولى، أخذتنا السيارة، عبر ممرات، بعضها مستقيم وبعضها منحن. كان صديقي منبهرا بالبيوت المكسوة بالأبيض، وأبوابها الكبيرة المشغولة بالنحاس، ونوافذها الزرقاء.

كنت سعيدا بالرحلة الليلية، لكن انتشائي لم يكتمل، لأن أبواب تلك البيوت، جميعها، كانت مغلقة على سكانها، والشوارع خالية من المارة تماما.

سألت سائق السيارة عن زهور الفل، وصانعيها. قال:

في الصباح.

الزيارة ثانية ترجّلنا.

كنا في النهار، أبواب البيوت مغلقة كما كانت في المساء، وبعض الدكاكين تبيع المشغولات الخزفية الملونة، المرصعة بأحجار زرقاء وعاجية.

بين شارع صغير وآخر وقف فتى يبيع زهور الفل. أشرت لمرافقتنا الجميلة نحوه، قالت:

اسمه “المشموم”.

لم يناسبني الاسم.

ما هذه التسمية البسيطة التي تلائم كل أنواع الزهور، بل التي تلائم كل ما له علاقة بحاسة الشم؟
انزعجت من البساطة التي وجدتها في التعامل مع شيء كنت جهزت له تلك الهالة في زيارتي للمدينة وأسطورتها، خصوصا أن الفتاة الجميلة، التي ترافقنا، لم تكن تزين شعرها بواحدة منها.

عندما انتبهت لاهتمامي، ابتاعت واحدة وأعطتني إياها، رحت أستنشقها بعمق، وحكيت لها ما قرأته، وأنني كنت أفضل رؤية أهل المدينة وهم منهمكون في صناعتها. ابتسمتْ وأدارتْ وجهها، بينما قال صديقي كلاما عن سذاجتي تجاه كل ما أقرأه.

حاولت الحفاظ على الشتلة الصغيرة التي أعطتني الفتاة إياها، لكن الخيط الذي يجمع سيقانها انحل، وعندما ربطته مرة أخرى، كان الذبول قد بدا عليها، واصفرت معظم أوراقها، لكنها احتفظت ببعض الرائحة حتى بعد منتصف الليل بقليل، قبل أن تذهب تدريجيا.

في الليلة التالية، ودعنا الفتاة، التي دعتنا إلى سهرة منزلية دافئة، ومشينا في شارع ضيق، لا نرى من نهايته غير ضوء خافت مجهول المصدر.

وتحسست بقايا الشتلة في جيب الجاكت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*