الرئيسية | شعر | مشي الهُوينى على تُرابٌ يتنفس
محمود الريماوي
محمود الريماوي

مشي الهُوينى على تُرابٌ يتنفس

محمود الريماوي *

( إلى مهدي نصير)

 

بعد أن تكفّلتُ بنفقاتها

ووقفتُ على حُسن تنظيمها..

ها أنا أمشي ساعة الظهيرة

مُصادِقاً على صحة ما توقعتُه،

ومُترحّماً عليّ

في الجنازة،

جنازتي ـ

….

مُغرورق الفؤاد

أمشي الهوينى على ترابٍ يتنفس.

ومُتمتعاً بكِسرة من طمأنينة غامضة

أجيل النظر في صحو السماء العالية،

وفي الأعشاب الدقيقة النابتة أسفل الحجارة

وأتسمّع بأطرافي لشدو طيورٍ غير مرئية،

وأغالب ألماً مفاجئا في العين اليسرى،

أعزوه لهبوب ريح الشمال وقد حفّت بالجنازة.

….

أعاين من طرفٍ خفي جمع مشيّعين

أفتقد بينهم أصدقاء قدامى،

(أتكهن : قد أخذهم الفيسبوك أخذ عزيزٍ مُقتدر)

وأسعد بغرباء لطفاء أنهكتهم المسافات الطويلة

مشعثي الشعر

بأردية سوداء متهدّلة،

أجاِملهم باقتضاب يُمليه جلال المناسبة.

….

أتقبل منّي بصبر وامتنان

العزاء بي،

وأنطِقُ مُحشرجاً: المُصاب واحد.

وأعِدُ نفسي بزيارة لحدي في أول فرصة سانحة.

….

أتمتّع بلقبٍ أستحقه:

لقب المرحوم.

( ما أخبار المرحوم، لم أعد أراه ، اختفى.. هل تراه أنت؟ هل قرأت كتاب المرحوم الجديد؟).

ينظر لي العابرون واللابثون ولا يرونني،

أهتف بملء ذاتي فلا يسمعني أحد،

ويواقفني ذلك أشد الموافقة.

….

في خيمة منصوبة في ظاهر المدينة

تحرسها أشجار بُطم ودوم وجُمّيز

يلهو تحت وارف أغصانها أطفالٌ مُعمّرون

خيمة شاسعة من ظلال يتعاقب عليها ليلٌ ونهار،

مفعمة بالطيوب وقِرفة الدهور

أستقبل كوكبة رجال ونساء

موتى وأحياء ،

ذوي سحنات أليفة لا أوطان لهم

وذوي أرواح حيّة مشبوبة،

كوكبة أحرار طلقاء كما ولدتهم أمهاتهم.

نحتسي على مهل شراباً أثيرياً

وهانئين كأنما اجتمع شمل العائلة

نمضغ فواكه جافة ذات مذاق ناريّ،

بعد أن نغمسها بزيت زيتون بارد

ثم بطحين أسمر عتيق.

نتسمّع لموسيقى خافتة هي حفيف الأثواب ورجْعُ هواء الأيدي .

وعلى عجل وقبل أن يدهمنا الوقت

نتبادل معلوماتٍ، قفشات وأطاريح

حول المستقبل وقد خلّفناه بغير أسف وراءنا.

..وأضرع أن لا أصادف في الأثناء، في الخارج

جمهرة حَسَدة أو شكّاكين.

 

* أديب وإعلامي من الأردن، رئيس تحرير "قاب قوسين".

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*