الرئيسية | سرديات | مُنمنمُ الوحوش | أنيس الرافعي
أنيس الرافعي

مُنمنمُ الوحوش | أنيس الرافعي

أنيس الرافعي (المغرب):

 

(إلى بشير قمري)

اسمي ميمون بن سوسان المذهّب، ولعليّ آخر رسامي المنمنمات المغاربة الكلاسيكيّين المتبقّين على قيد الحياة.

بلغت من العمر أرذله وصرت واهنا مثل رمل قديم، كما أني أقدمت في الآونة الأخيرة على إغلاق محلّي الخاصّ والمعروف بسوق «واقّا» لأسباب موضوعيّة كثيرة، من أهمها ندرة المتعاونين من أهل التوشيح و عشيرة الخطّاطين والدبّاغين والمسفّرين.

إذ كما لا يخفى عنكم هي حرفة تنتفي فيها الفرديّة المطلقة وتحتاج إلى جهود فريق متكامل. فضلا على أنّ النمنمة بواسطة رقائق الذهب المحفوظة داخل طبقات جلد الأيّل، التي هي تخصّصي الصرف الذي تعلّمت أصوله من «كتاب المناظر» لابن الهيثم، لم تعد تلاقي ذلك الرواج السابق الذي كان لها إبّان أيام حسن الزهو وسعة الرّخاء.

علاوة على شتّى ما سبق، كنت قد أجريت خلال الأسبوعين الماضيين في المستشفى العسكريّ بمراكش عملية جراحيّة معقّدة على المعدة تحت إشراف البروفسور أحمد بومعيز، ولم أتجاوز بعد مرحلة النقاهة، فإذا بي أتوصّل بطلب مستعجل من لدن أحد أصدقائي الناشرين، يدعى الأستاذ مبارك الراجي، لنمنمة مخطوط «كتاب الوحوش»، وهو رسالة نفيسة ذائعة الصّيت في علوم السّحر الأسود وتسخير ملوك الجانّ من وضع مؤلّف مجهول، تمّ العثور عليها مؤخرا بمحض الصدفة داخل أحد الأقبيّة السرّيّة للملاّح اليهوديّ المتهدّم بمدينة الصويرة.

وعند تصفّح أوراقها المائة من قبل الخبير العالميّ محمد عنيبة الحمري تبيّن بأنّ حروفها المنسوخة باليد تتوقّف عند منتصف كلّ صفحة ذات وجه من دون قفا، والأحيزة وسط أعمدة الكتابة خلوﹸُمن التصاوير، التي كان من المفترض أن ينجزها أحدهم غداة تلك الحقبة الغابرة التي تعود إلى منتصف القرن الرابع عشر، ولم يتمكن من ذلك لمسوّغ غامض سيظل بالتأكيد طيّ الكتمان.

بالطبع، أوشكت أن أرفض رفضا مبرما هذا التّكليف العسير، لكنّ إغراءات الشهرة المتأتّيّة من وضع وتنضيد الأيقونات لكتاب عتيق من هذا النوع و حاجتي الملحّة للمال، جعلاني أغالب ألمي الطّريّ، ثمّ شرعت عند حلول مساء كلّ يوم على هدي أغاني محمد عبد الوهاب أو موسيقى ﮔناوة وغليون الكيف المعدّ بميزان وقسطاس، بعد استكمال الطقوس الروحانيّة المصاحبة لبدء العمل كما لقّنني إيّاها أستاذي اليابانيّ ناكاو موراكامي فنّان «التشودو» الشهير رحمة الله عليه، في وضع عدة نماذج أوّليّة مصوّرة على الكرتون التدريبيّ، تتوافق مع المساحات والبياضات الخاليّة بين ثنايا أوراق المخطوط، في أفق أن أنقلها منقّحة في ما بعد على صحائف ورق خاصّ مصنّع من الكتّان ذي عمق أمغر، وألصقها بالغراء السّاخن داخل المتن الأصليّ.

وهكذا ابتدعت كمن يلهو بالأشكال المتبدّلة التي يعكسها المشكال، سلسلة من الضواري المزخرفة والغيلان المرقّشة والكائنات الأسطوريّة والحيوانات العجيبة والتنّانين الممسوخة ومصّاصات الدماء الشريرة، وفق تعاليم وخطط «مدرسة الأراتقة» التي أنتمي إليها، مستعملا تارة قلم القصب، وتارة أخرى مرقاشﹶ ريش الإوز، بالاعتماد أساسا على أصباغ وأحبار باللّون الأحمر المستخلص من أوكسيد الكبريت والزئبق، أو باللّون الأزرق المتحدّر من حجر اللازورد.

وإذا ما خذلتني أطياف الخيال واحتجت إلى إنعاش حديقة رأسي المرعبة، كنت أعود بين الفينة والأخرى لافتلاذ قبس جسم محجور عليه بين أسوار المرايا من كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» للقزويني، أو لاستلهام وميض هيئة ملتهمة للظّلال من كتاب «المخلوقات الوهميّة» لصاحبيه مرغريتا غيرّيرو و خورخي لويس بورخيس.

المهم، وأنا أتقدّم في عملي الدقيق والمجهريّ بشغف وحماس عارمين يشارفان حدود التجلّي، طفقت أشعر تدريجيّا بأنّ حالتي الصّحّيّة تزداد تدهورا من شدّة الحمّى المرجفة، ومعدتي تنغل بوجع لا يطاق كما لو أنّ أظلافا وأنيابا و ومناقير ومخالب كشفرات حلاقة لا مرئيّة تنهش أمعائي وتمزّق أليافها من الداخل.

ترى، هل كانت الضواري المجسّمة التي تفتّقها استيهاماتي للتوسّط بين النص والقارئ، تدبّ فيها الحياة وتأكل غبّ كلّ ليلة من جرحي بعد أن تستفيق من رقدتها بين دفتي المخطوط ؟!.

صحيح، أنّ الحمّى الباردة كانت تزايلني عند حلول كلّ صباح، مخلّفة بدني متعرّقا مثلما لو أنني كنت راقدا في حوض غسيل، لكن ما أثار دهشتي وجعل الهواجس تتناهبني، أنني كنت أجد غرز الخياطة منقوعة في نثيث الغراء ومنحلّة في بطني، وشراشف سريري والملاءات ملطّخة ببقع متّسعة من الدماء، كما أنّ المخلوق العجائبيّ الشائه والباعث على الفزع، الذي أمضيت ساعات طوال في توشيته بالأصباغ والأحبار، كان يتبخّر بالكامل من على إهاب الصفحة.

لعنت الشيطان لبضعة أيام، وأقنعت نفسي مؤقّتا بأنني في واقع الأمر أكون مخدّرا بالكامل فاقدا لملكتي الإدراك والوعي، وأتصوّر فحسب في هلاوسي أنني زوّقت المخطوط.

وما رسّخ لديّ هذا الافتراض المريح والمنطقيّ هو المصادقة عليه بلا نقاش من طرف رفيقي القديم على مقاعد الدراسة بثانوية «أكنسوس»، الممرّض المجاز السّي سليمان الدريسي، الذي كان يقطّب جرح بطني في حانوته البسيط بحيّ «صقالة»، و يدعوني بإلحاح أخويّ صادق إلى الإحجام لفترة محدّدة عن تعاطي الكيف، حتّى أنهيّ الشغل الذي أنيط بي إنجازه.

امتثلت لنصيحته، واستأنفت ترصّيع صحائف الكتّان، غير أنّ حالة التطيّر عاودتني والمخلوقات العجائبيّة البغيضة واصلت فرارها من بين صفحات المخطوط الملعون.

جافاني النوم، وبتّ منشغلا بحراسة فتحة بطني، لأنني بدأت أتخيّل بيقين راسخ أنّ الضواري تتسلّل إلى داخلي وتترعرع هناك كما لو كنت فندقا فخما فسيحا مكوّنا من مائة غرفة، وهم نزلائي الذين يرفضون المغادرة.

وأمام تفاقم وضعيتي، بعد أن تصّاعدت بجوفي في إحدى اللّيالي صيحات هائجة لا تهدأ طالعة لتوّها من البريّة، وضجّت أعماقي المجوّفة كيقطينة فارغة باللّهاث والخمش والقرقعة والهزلجة الشبيهة بتكسّر العشب والأغصان اليابسة على وقع وجين الحوافر، بادرت إلى زيارة الفقيه بوعزة المقلاشي المشهود له في مجاله، في كوخه النائي بمنطقة «الذيابات»، وعرضت عليه ما يقع لي، فأخبرني بعد أن بسط قدامي مجموعة من الجداول والمربعات والأرقام والأوفاق التي لم أفهم منها شيئا يذكر، أنني مسحور ﺒ «التوكال الأبيض»، ولابدّ من ترقّية نفسي من المسّ، و المواظبة على تناول تّرياق مطبوخ ومصفّى من صفار البيض و الريحان والورد وورقة سيدنا موسى، بغرض استفراغ ما في أوصالي من سّمّ.

ظنّنت أنّ الرجل يهرف بما ليس له به علم، وضربت صفحا عن مقترحه على الرغم من استمرار بروز عظام وجهي و نحول أطرافي حتّى غدا هيكلي هزيلا مثل «جوكي» سباقات الخيل. إلى أن اكتشفت مصعوقا في واحدة من أماسي الصيف ذات القيظ الخانق، وأنا شبه عار داخل غرفة نومي المعتمة الصغيرة بدرب «باب المرسى» القريب من ساحة «مولاي الحسن»، أنّ جلدي المتغضّن صار ببشرة ملساء، تضوع بالرائحة النفّاذة للأحبار والأصباغ. الرائحة ذاتها التي على ما يبدو صّبت في شراييني وسبحت في دمائي و تسرّبت من مسامي، ثم غزت كافة أرجاء البيت.

وقبل أن أستوعب هذا التحوّل الجهنميّ الطارئ الذي ألّم بي، طفقت الضواري تظهر منوشمة متلامعة على جلدي، وتتمدّد مثل عروق نبتة شيطانيّة في تربة صخريّة. لقد انسدلت منمنمات الوحوش بألوانها الحمراء والزرقاء على كافة خريطة جسدي، وهاهي الآن قد اتخذتني ميدان حرب للتصارع والتناهش في ما بينها كلّ ليلة.

كنت أحس بالسوائل اللزجة التي تفرزها، وأصيخ السمع لأنفاسها الثقيلة و لمعاركها حامية الوطيس مصرّا على أسناني ، وأنا أحدّق ببلاهة في المروحة السقفيّة الهادرة للغرفة، التي كانت تدور أبطا فأبطأ حتّى تموت مع موت آخر الضواري على ساحة الوغى.

أبحلق في أجنحتها الأربعة الخامدة، ثمّ أنام بدوري كالقتيل.

أمّا في اللّيلة المواليّة، فقد استفحل الأمر وبلغ مداه في جنوح قارب عقلي ممزّق الشراع صوب الشاطئ البعيد للجنون أو هكذا بدا لي. إذ كانت الضواري تحوم مثل لعبة الخذاريف الدوّارة حول سريري، وتفرد أجنحتها المنفوشة و ترجرج أذيالها الضخمة كأنّما للترويح على رعشاتي و تبريد مضجعي الذي أوقدته نيران الحمى القاصفة لأوصالي.

وفي لحظة محميّة من الأسى و منقطعة عن سريان الزمن كأنّما هي لقطة ساكنة في فيلم بالحركة البطيئة غير المحسوسة، كانت قطع وأشلاء صغيرة من جلدي المنمنم تثبّ بغتة من لحمي، و تشقّ طريقها طائرة متماوّجة في اتجاه طاولتي، ثمّ تّتخذ موضعها بين البياضات والمساحات الشاغرة لأوراق المخطوط.

بقيّ أن أخبركم، أنّ جاري كبير القلب صانع النعال التقليديّ السّي عبد العزيز أمزيان، هو من تطوّع لاصطحابي بالحافلة، وأتمّ الإجراءات الإداريّة لإيداعي «مستشفى الرّازي للأمراض العقليّة» ضواحي مدينة برشيد، لأكون تحت رعاية الطبيب النفسيّ المحنّك الدكتور بوجمعة أشفري. يزورني بين الفينة والأخرى ابن عمتي الإطفائي المتقاعد العدلوني الطيب العلمي، متأبّطا حزمة أوراق بيضاء وعلبة من أقلام الفحم.

بالتأكيد، لستُ فرنسيسكو غويا، لكنّي أعدكم وعد الحرّ بأنني سأواصل من هناك نمنمنة وحوشي الرائعة !.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*