الرئيسية | سرديات | هيّ وابن الناسّ | فائقة قنفالي
فائقة قنفالي

هيّ وابن الناسّ | فائقة قنفالي

فائقة قنفالي  (تونس):

 

تتناثر شهوته مثل رمّانة ناضجة كأنّه لم يستجمع قوّته يوما. قوتّه التي يجمعها في كلّ مرة يحاول فيها اقتحام حصونها العاتية فتخونه، هو الذي لم يأت غازيا بل عاشقا… تتكوّر في الطرف الأيسر من السرير تحاول ألاّ تصدّق أنّ شجرة الرمّان، التي سقتها بانتظارها و بعشقها، ممتلئة بالسواد ومريضة بحبّاتها. تبحث عن صوتها كي تصرخ. لا تجد شيئا وبالكاد تسمع صوت زرّ الأباجورة وهي تشعله وتطفئه…تتسرّب نسمات باردة من النافذة المفتوحة فترفع الستارة عاليا كي تغطّي جسدها. تحاول أن تبكى.. لا دموع أيضا في رصيدها. تسمع صنبور المياه وهو يتدفّق بقوة كعادته بعد منتصف الليل تعرف أنّ زوجها أفرغ وجعه تحت الماء. تشعر بالبلل يغطي الملاءة البيضاء.. الملاءة التي تضعها تحتهما كل ليلة منذ شهر تقريبا. تشعر أنّ تلك البقعة الصغيرة من البلل والمتدفقة من شهوتها تتسع وتتسع، تسبح فيها وتغرق…تستسلم تماما للماء وتطفو. يواصل صوت الماء التدفق من الداخل فيخيّل إليها أنها نائمة وأنّه يبكى..

تهوي نحو الأسفل تسمع صوت ارتطام ركبة الطفلة بالحجر وهي تركض خلف الكرة..تلعب الكرة مع الفتيان بدل الحجرات السبع مع الفتيات بظفيرتين ذهبيتين يتوقفان عند نهد مثل زهرة رمّان للتوّ تتفتّح. تركض. تقفز عاليا. تسقط وتنهض. تجري. تلهث. تضع يديها على ركبتيها قليلا، تتنفس بعمق وتجري. تسدّد. تسّجل…وأحيانا لا تطاوعها الكرة، تلعن أرضية الملعب مثل لاعب محترف أضاع هدف الفوز… تشير بالسبابة لرفاقها كي يعود كل واحد إلى موقعه بعد كل هجوم. العالم كان مقسّما بين مدرستها والكرة. تحلم أن تصبح لاعبة كرة قدم مشهورة مثل ماردونا أو بيلي الذين تسمع أخاها يتحدث عنهما دوما. عندما كانت تلعب الكرة كانت أزهار شجرة الرمان تزهر فوق جسدها وبين جدائلها. كانت طفلة بجسد خمري نحيل وعينين زرقاوين مثل البحر، العالم لا يعني لها إلاّ اللّعب قفزا وركضا خلف كرتها…

عندما أطفأت شمعتها الثامنة لم تكن تعلم أنها ستطفئ جسدها في تلك القرية الجاثمة في سفح جبل. لم يكن الأطفال هناك يحتفلون بأعياد ميلادهم ولكنها تقرأ عن هذا في الكتب وتتخيله، تصنع كعكة من الطين وتزينها بالأزهار البريّة ، تضع فيها بقايا الشّمعة التي أعدت على ضوئها دروسها وتطفئها مثلما كان يحدثهم معلمهم. ولأنّها ككل الأطفال لا تعترف بالقيود ولا بالمحاذير كان اللعب هوايتها و غوايتها التي لا تنتهي………. عندما عادت مساء في آخر أيام عطلة الشتاء سمعت الشجار المعتاد بين أخيها وزوجة أبيه – أمها يصل آخر حقلهم. كان أخوها يصرخ ويكرر عبارات لم تتعود سماعها لكنها فهمت أنه يعنيها بها…كلما اقتربت صار الحوار أوضح

-” ابنتك تلعب مع الذكور ستجلب لنا العار…..ستصبح عاهرة .”

 إذن فقد رآها تلعب الكرة مع رفاقها في المدرسة. تجّمدت أمام البيت لا تعرف ماذا تفعل؟ أتدخل أم تهرب ولكن إلى أين؟ كان الحزام الجلدي في يد أخيها أسرع إلى جسدها النحيل..إختبأت خلف أمها ولكن صفعات الأم كانت أكثر قسوة. تلك الصفعات التي لا تميّز الوجه عن الرقبة عن اليد عن المؤخرة….جرتها من شعرها وألقت بها في الاسطبل. تذكر الآن أنّه أغمي عليها لحظتها وبقيت لساعات هناك وما كانت لتنهض لو لا ذاك الجدي اليتيم الذي تعتني به، لعق وجهها ورفسها بساقيه. في الصباح نادتها أمّها أجلستها فوق كرسي خشبيّ وقيّدتها بإحكام ووضعت أمامها صحنا فيه تمرا ومشرطا وأمرتها أن لا تبكي وأن تردد ورائها ما تقول:

–  أمي ماذا ستفعلين بي.. أرجوك…

– أغلقي فمك. ستجلبين لنا العار.. اللعنة على البنات !. صدق من قال “همّ البنات للممات”.

  كان وجه أمّها مثل وجه جنرال في ساحة تدريب، حاولت أن تبكى غير أنها لم تجد دموعها، على غير العادة. حاولت الصراخ فاحتبس الصوت في حلقها مثل عصفور صغير سقط للتو من عشّ أمّه، حاولت أن تفكر في حدث جميل كي لا تشعر بالألم، مثلما علّمهم معلّم العربية.  ولكنّ المشرط كان أسبق لركبتها اليمنى…سال الدم من الجرح الأول فغمست أمها حبة تمر وأمرتها أن تردّد ورائها:” أنا حيط ولد الناس خيط.” رددت ورائها مثل مريض بالتوحد هذه العبارة مع كل حبّة تمر وجرح. ترى من هو ابن الناس هذا؟ ما معنى أن أكون حائطا ويكون خيطا؟ هل يمكن لطفلة أن تتحوّل الى حائط. هل ستحولني الساحرة الشريرة التي قرأت عنها في حصة المطالعة إلى حائط وتحول أميري إلى خيط فقط لأنني لعبت الكرة؟ كيف أكون طفلة ولا ألعب؟ أمها حافظت على نفس الملامح ، تتذكر أن زوجة أبيها فعلت معها هذا وهي لم تبكي …ختمت كلامها بوصيّة أثقل من الجبال :” لا تنسَي هذا الكلام ماحييت”. وربما قالت يا بنيتي ولكن صوتها لم يخرج اطلاقا.

سبعة جراح ، سبع حبّات تمر، سبع جمل..كم تكره الرقم السبعة. هذه الندبات التي اعتبرتها أمها مفتاحا يحفظ لها عذريّتها وضعت عليها الرماد فصارت بمرور الوقت خُضرًا.هي لم تستطع كره أمها ولا اللون الأخضر و لا التّمر الذّي ظلّت تأكله بشراهة. هي حرمت فقط من لبس التنانير القصيرة…

تتذكر هذا كلّه وهي تخرج وزوجها من عند الاختصاصي الذي شّخص الأمر على أنّه حالة نفسية حرمتها وزجها من حياة سويّة. أمها تعرف السرّ وقد مات معها. طبعا لم تنس قبل موتها أن تطلب منها الاعتذار و تدلها على امرأة قد تساعدها. هي لم تصدق يوما أنّ تلك الجروح كانت “سحرا” يحمي عذريتها….لذلك لم تفكر في فك هذا السحر كما أمرتها والدتها. بعد ثلاثة أشهر ، اتجهت صباحا الى الجنوب كي تذهب إلى الخالة فاطمة التي فكت العقدة في أقل من عشر دقائق. كان مؤلما أن تكرر تلك الكلمات ذاتها التي عذبتها طوال سبعة وعشرين عاما قالتها بشكل مختلف هادئ وحزين :” أنا خيط وولد الناس حيط” . تغيرت المواقع بينها وبين ابن الناس الذي وضعه الحب في طريقها.

مضى على هذه الحادثة سنوات طويلة وكبر بناتها وهي مازالت لا تستطيع اللعب. حتى اللعب في السرير، ذلك اللعب المشروط بعقد قران وخاتم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*