الرئيسية | سرديات | يتمشَّى وينظر ويلتقط | عبد الرحمن سعد
عبد الرحمن سعد

يتمشَّى وينظر ويلتقط | عبد الرحمن سعد

عبد الرحمن سعد (السودان ):

 

أن تشتغل بحبك الذي يمتلكك، المربوط، المعقود به، في دنيا تُسير بلا هوادة، بلا ذاكرة، بل ذاكرتها مثقوبة، تفقدُ في كل مرة من الأحداث ما هو ضروري التذكُّر لتجنيب تكرير ذات الأخطاء والكوارث المُتوارثة الغزيرة الهاطلة على يباس المعرفة محدثةً بللا يزيد من لزاجة واقعنا العربي.

ينتصب القاص اليوم في أجواء هي مناسبة له للكتابة، متصادمة مع واقع الحياة، مُقيِّماً لها مستشهداً بفظائعها اليومية، يصبح ويمسي، يتمشَّى وينظر ويلتقط، تُكثِّف التفاصيل وأحايين أخرى يعمل عليها بإسهاب ، وكلها بحثاً عن النص الذي يريده لخلق فرح آت، آملاً (القاص) أن يجد ذات يوم نظرته تلك السالفة، على واقع المشهد المُشوَّه، بفعل لا عبقرية ولا إنسانية الإنسان الحادث لما هو كائن اليوم.

حالة كتابة النص القصصي ، هي حالة ولادة عسيرة المخاض تتجلَّي فيها كوامن النفس / الذات الكاتبة المُبدعِة لتخلق كائناً جديداً يمشي بين إخوانه من النصوص الحكائية، وهي حالة لها كثير عنت، تتطلب طاقة هائلة من أجل إنجاز عملٍ فيه إرهاق و عصف ذهني. ينظر للسماء بعين تائهة أو محدِّقة في اللاشيء، يحاول الإمساك بالكلمات الهاربة، يعيش حالة جذب روحاني مُصاحب لحالة أرق الكتابة، هذه الحالة قد يراها البعض محض ترهات أو انشغال عن الهم الخاص الذي يطوِّقه/ الكاتب/ و هروب منه.

لكن يبقي ما يخرج للناس من تلك البحور المتلاطمة الأمواج من لؤلؤ نصوص قصصية، تبرق في سماء النفوس و تُسعدهم، هنا يشعر الكاتب بسعادة إنجازه عندما يلقي الترحاب والتفهُّم.

المُبدِّع القاص والناقد هما وجها عملة العملية الإبداعية، وهما ضلعا مثلث متساوي الأضلاع فيه المتلقي يمثل الضلع الثالث في عملية الكتابة والإنتاج، والنقد الوسيط، والمتلقي الذي يصله النص ويتفاعل معه. فالنقد القصصي الجيِّد هو المُرشد للمبدِّع القاص الخلاَّق، وعملية مخاض الكتابة الإبداعية عملية ذهنية بالغة الإرهاق والألم واللذة، لذا تتطلب أن يكون هناك نقد يوازي تلك الطاقة المُطلقة التي أنتجت النص، و النقد القائم علي أُسس علمية بعيداً عن الذاتية وشخصنة الأدب، هو مطلوب و محمود، أما النقد الانطباعي أو المُتعلِّق بكاتب النص لا النص موضوع النقد، فهو نقد خارج النص و فيه كثير لغط وإحباط لذات الكاتب المُبدِّعة، وللأسف كثير من نُقَّاد اليوم إما يكتبون عن كل شيء جميل وهو ما يكون في إطار المجموعة المتصادقة فيما بينها فكل ما يُنتَج جميل، أو بذات المفهوم كل ما ينتجه الآخر قبيح و لا علاقة له بالأدب…..!!!. وهذا النوع من النقد القصصي لا يُبيِّن للقارئ أي إشارة أو شفرة عن الكيفية التي تمَّتْ بها معالجة النص القصصي التي استند عليها الناقد للتشريح، و هذا يُربك المشهد الثقافي، ويصيبه بحالة إحباط و كآبة مستقَّرة.

يقف القاص اليوم، وهو شاهر سيف الكتابة الإبداعية في زمان يُخيَّل لمعظم مُتعاطي الأدب بأنه زمن الرواية، زمن الجوائز الكثيرة التي تُعنى بالرواية لا غير؟، فكأننا بأنفسنا نقتل الكتابة الإبداعية دونما وعي، فالشعر والرواية والقصة كلها صنع إبداعي ليس لعلو جنس على جنس في الإبداع. من هنا يأتي المُشكل المصطنع والذي يُعاني منه القاص اليوم.

وفي تقديري الخاص أري بأن الناقد القصصي الجيِّد هو كاتب مُبدِع جيِّد في الأصل، و متذوِّق لعدة أطعمة من موائد الأدب المتباينة المتنوِّعة. و أذكر أنني عندما بدأتُ أنشر بعض قصصي القصيرة جداً في صحف الخرطوم، لم يهتم بها النُقَّاد حينها بل لم يكونوا يقفون عند هذا الجنس الأدبي أصلاً، ويُسفِّهونه. وبعدما تبيَّن تميُّزه من غيره وبعد الإطلاع على كتابات النُقَّاد المُتحققين، أصبح الاحتفاء به وخلقت منابر خاصة تُناقشه، فعلي القاص أن يسير في دربه، مُتعلقاُ بهمه الوجودي والإنساني في عالم يحتاج كثيراً للأدب اليوم، لوقف العنف والتعنيف الحادث.

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*